الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٠ - عابثه الأمين و ركب ظهره
نالني فسكتّ [١]/ فقال لي: قل ما شئت و لا تخف؛ فشربت و استحسنت. ثم قال لي: يا حسين، لقد خار اللّه لك بخلافي و جرى القدر بما تحبّ فيه. إن هذه الجارية عادت إلى الحال التي أريد منها و رضيت كلّ أفعالها؛ فأذكرتني بك و سألتني الرّضا عنك و الاختصاص لك؛ و قد فعلت و وصلتك بعشرة آلاف دينار، و وصلتك هي بدون ذلك. و اللّه لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثم تحقد ذلك عليك فتسألني ألّا تصل إليّ لأجبتها.
فدعوت له و شكرته و حمدت اللّه على توفيقه، و زدت في الاستحسان و السرور إلى أن سكرت و انصرفت و قد حمل معي المال. فما كان يمضي أسبوع إلّا و صلاتها و ألطافها تصل إليّ من الجوهر و الثياب و المال بغير علم الأمين؛ و ما جالسته مجلسا بعد ذلك إلا سألته أن يصلني. فكلّ شيء أنفقته بعده إلى هذه الغاية فمن فضل مالها و ما ذخرت من صلاتها. قال ابن النشّار: فقال له أبي: ما سمعت بأحسن من هذا الحديث و لا أعجب ممّا وفّقه اللّه لك فيه.
هنأ الأمين بظفر جيشه بطاهر بن الحسين
: حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال:
دخل حسين بن الضحّاك على محمد الأمين بعقب وقعة أوقعها أهل بغداد بأصحاب طاهر [٢] فهزموهم و فضحوهم؛ فهنّأه بالظّفر ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له فأنشده:
أمين اللّه ثق باللّ
ه تعط العزّ و النّصره
كل الأمر إلى اللّه
كلاك [٣] اللّه ذو القدره
/ لنا النصر بإذن اللّ
ه و الكرّة لا [٤] الفرّه
/ و للمرّاق أعدائ
ك يوم السّوء و الدّبره [٥]
و كأس تورد الموت
كريه طعمها مرّه
سقونا و سقيناهم
فكانت بهم الحرّه
كذاك الحرب أحيانا
علينا و لنا مرّه
فأمر له بعشرة آلاف درهم، و لم يزل يتبسم و هو ينشده.
عابثه الأمين و ركب ظهره
: حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال:
قال لي الحسين بن الضحّاك: شربنا يوما مع الأمين في بستان، فسقانا على الرّيق، و جدّ بنا في الشرب، و تحرّز من أن نذوق شيئا. فاشتدّ الأمر عليّ، و قمت لأبول، فأعطيت خادما من الخدم ألف درهم على أن يجعل لي
[١] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فسكنت» بالنون.
[٢] هو طاهر بن الحسين أحد دعاة المأمون و أكبر قوّاده، و هو الذي حاصر محمدا الأمين و ظفر به و قتله.
[٣] كلأك اللّه: حفظك، سهلت همزته.
[٤] كذا في ح و هو المناسب للمقام. و في سائر الأصول: «و الكرة و الفره».
[٥] الدبرة: الهزيمة في القتال.