الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٥ - دعاه الحسن بن رجاء و دعاه ابن بسخنر فذهب له و اعتذر للحسن
فأجهد نفسي في الجوابات و أصرف عنايتي إليها على علمي [١] بأن الشاميّ بجهله لا يميّز بين الخطأ و الصواب، و لا يفرّق بين الابتداء و الجواب. فلما طال ذلك عليّ حسدته و تنبّهت إلى إفساد حاله عندها. فسألته عن اسمها فقال:
«بصبص». فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها جاءني به:
أرقصني حبّك يا بصبص
و الحبّ يا سيّدتي يرقص
أرمضت أجفاني [٢] بطول البكا
فما لأجفانك لا ترمص
وا بأبي وجهك ذاك الذي
كأنه من حسنه عصعص
فجاءني بعد ذلك فقال لي: يا أبا عليّ، جعلني اللّه فداءك، ما كان ذنبي إليك و ما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: و ما ذاك عافاك اللّه؟ فقال: ما هو و اللّه إلّا أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، و الكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعال إلى الرّوشن [٣] الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك؛ فتزيّنت بأحسن/ ما قدرت عليه و صرت إلى الموضع. فبينا أنا واقف أنتظر مكلّما أو مشيرا إليّ إذا شيء قد صبّ عليّ فملأني من قرني إلى قدمي و أفسد ثيابي و سرجي و صيّرني و جميع ما عليّ و دابّتي في نهاية السّواد و النتن و القذر، و إذا به ماء قد خلط ببول و سواد سرجين [٤]، فانصرفت بخزي. و كان ما مرّ بي من الصبيان و سائر من مررت به من الضحك و الطّنز [٥] و الصّياح بي أغلظ ممّا مرّ بي؛ و لحقني من أهلي و من في منزلي شرّ من ذلك و أوجع. و أعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عنّي جملة. قال: فجعلت أعتذر إليه و أقول له: إنّ الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته و فصاحته، و أنا أحمد اللّه على ما ناله و أسرّ الشّماتة به.
دعاه الحسن بن رجاء و دعاه ابن بُسخُنَّر فذهب له و اعتذر للحسن
: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون عن حسين بن الضحّاك قال:
كتب إليّ الحسن بن رجاء في يوم شكّ و قد أمر الواثق بالإفطار، فقال:
/
هززتك للصّبوح و قد نهاني
أمير المؤمنين عن الصّيام
و عندي من قيان المصر عشر
تطيب بهنّ عاتقة المدام
و من أمثالهن إذا انتشينا
ترانا نجتني ثمر الغرام
فكن أنت الجواب فليس شيء
أحبّ إليّ من حذف الكلام
قال: فوردت عليّ رقعته و قد سبقه إليّ محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر و وجّه إليّ بغلام نظيف الوجه كان يتحظّاه، و معه ثلاثة غلمة أقران [٦] حسان الوجوه و معهم رقعة قد كتبها إليّ كما تكتب المناشير، و ختمها في أسفلها و كتب فيها يقول:
[١] في الأصول: «على أنّ علمي ... إلخ».
[٢] الرمص بالتحريك: وسخ يجتمع في الموق.
[٣] الروشن: النافذة.
[٤] السرجين: الزبل الذي تدمل به الأرض.
[٥] الطنز: السخرية.
[٦] أقران: نظراء، واحده قرن (بالكسر).