الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤ - بشر بالخلافة بعد موت هشام
و سمع قعقعة البريد، فتعوّذ باللّه من شرّ هشام، و قال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحيّ [١] أو بملك عاجل.
فقلت: لا يسوؤك اللّه أيها الأمير بل يسرّك و يبقيك، إذ بدا رجلان على البريد يقبلان، أحدهما مولّى لآل أبي سفيان بن حرب؛ فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلّما عليه بالخلافة فوجم، و جعلا يكرران عليه التسليم بالخلافة؛ فقال: ويحكم! ما الخبر؟ أمات هشام؟ قالا نعم؛ قال: فمرحبا بكما! ما معكما؟ قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن؛ فقرأ الكتاب و انصرفنا. و سأل عن عيّاض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه و حبسه، فقالا: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر اللّه، فلمّا صار إلى حال لا تزجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد إلى/ شيء. و أفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد؛ و قضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب و الخزائن؛ و أمر بهشام فأنزل عن فراشه و منعهم أن يكفّنوه من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام، و لم يجدوا قمقما [٢] حتى استعاروه. و أمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فأخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك؛ فقال الوليد: ما أراه إلّا قد نجا؛ فقال له يحيى بن عروة بن الزّبير و أخوه عبد اللّه: إن اللّه لم يجعل قبر أبيك معاذا للظالمين، فخذه برّد ما في يده من مال اللّه؛ فقال: صدقت، و أخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر، و كتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا، ففعل ذلك بهما و ماتا جميعا في العذاب بعد أن أقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا [٣] منه المظالم.
و قال عمر بن شبّة في خبره: إنه لمّا نعي له هشام قال: و اللّه لأتلقّينّ هذه النعمة بسكرة قبل الظهر؛ ثم أنشأ يقول:
طاب يومي و لذّ شرب السّلافه
إذ أتاني نعيّ من بالرّصافه
/ و أتانا البريد ينعي هشاما
و أتانا بخاتم للخلافة
فاصطبحنا من خمر عانة [٤] صرفا
و لهونا بقينة عزّافه
ثم خلف ألّا يبرح موضعه حتى يغنّى في هذا الشعر و يشرب عليه؛ فغنّي له فيه و شرب و سكر، ثم دخل فبويع له بالخلافة.
/ قال: و سمع صياحا، فسأل عنه، فقيل له: هذا من دار هشام يبكيه بناته؛ فقال:
إني سمعت بليل
ورا المصلّى برنّه
إذا بنات هشام
يندبن و الدهنّه
يندبن فرما جليلا
قد كان يعضدهنّه
[١] كذا في ب، ح، و الوحيّ: السريع. و في سائر الأصول: «بموت حيّ».
[٢] القمقم: إناء من نحاس يسخن فيه الماء.
[٣] كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «اقتصوا» بالصاد المهملة.
[٤] عانة: بلدة على الفرات تنسب إليها الخمر العانية. قال زهير:
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت
من خمر عانة لما بعد أن عنقا