اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٠٥ - المسألة التاسعة عشرة فى أن علم البارى تعالى إن صح أن يكون مؤثرا فهل يصح أن يكون علمه سببا لوجود الممكنات كلها و يتحقق الجبر أولا يلزم ذلك؟
و لا تصغ إلى كلام يقول: يصدر الفعل من القادر من غير ترجيح أحد الطرفين، متمسّكا بأمثلة جزئيّة فإنّ الترجيح غير العلم بالتّرجيح، و إنّه إنّما يحتاج إلى وجود التّرجيح لا إلى العلم به. فكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته و إرادته فهو باختياره، و كلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره.
و سؤال السّائل: أنّه بعد حصول القدرة و الإرادة هل يقدر على التّرك، كقول من يقول: الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوما حال وجوده و محال أن تكون قدرته إنّما تحصل له بقدرته، و إلّا لتسلسل.
و أمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرة و إرادة سابقة، كالمتروّى فى طلب أصلح الوجوه، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد واحد منها بفكره، الذي يصدر عنه أيضا باختياره، لينكشف الصّلاح و الفساد فيها، فيحصل له الإرادة بما يراه أصلح.
و هذه الإرادة مكتسبة له. أمّا أسباب كسبها، و هى القدرة على الفكر و إرادته و العلوم السّابقة، فبعضها يحصل أيضا بقدرة و إرادة، لكنّها لا تتسلسل، بل تقف عند أسباب لا تحصل بقدرته و إرادته. و لا شك أنّ عند حصول الأسباب يجب الفعل و عند فقدانها يمتنع.
و الّذي ينظر إلى الأسباب الأول و يعلم أنّها ليست بقدرة الفاعل و لا بإرادته يحكم بالجبر. و هو غير صحيح مطلقا لأنّ السّبب القريب للفعل هو قدرته و إرادته. و الذي ينظر إلى السّبب القريب يحكم بالاختيار. و هو أيضا ليس بصحيح مطلقا، لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة و مرادة. و الحقّ ما قاله بعضهم [عليهم السّلام]: «لا حبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين»[١].
[١]التوحيد، للصدوق، باب نفى الجبر و التفويض (٥٨): عن المفضل عن أبى عبد اللّه عليه السلام قال: «لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين. قال: مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية، فنهيته، فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يقبل منك كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية».