اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٩٨ - المسألة العاشرة فى أن الإدراك إن لم يكن زائدا على العلم فهل يصح فى البارى أن يكون عالما بالجزئيات على الوجه الذي يعلمها عليه، أم لا يعلمها إلا على وجه كلى؟
يتصرّم و يتجدّد على الاتّصال، و هو الزّمان، و يتغيّر بحسبه ما هو فيه أو معه، تغيّرا على الوجه المذكور.
و الثّاني لا يمكن أن يوجد إلّا فى مكان أو مع مكان، فإنّ العلّة الأولى للتكثّر على هذا الوجه فى الوجود هى الموجود الذي يقبل الوضع لذاته، أى يمكن أن يشار إليه إشارة حسّية، و يلزمه التجزّى بأجزاء مختلفة الأوضاع بالمعنى المذكور و بالمعنى الّذي يكون لبعض الأجزاء إلى بعض نسبة، بأن يكون فى جهة من الجهات منه، و على بعد من الأبعاد دون تلك الجهة و البعد، و كلّ موجود يكون شأنه كذلك فهو مادىّ.
و الطبائع المعقولة إذا تحصّلت فى أشخاص كثيرة تكون الأسباب الأوّل لتعيّن أشخاصها و تشخّصها هى إمّا الزّمان، كما للحركات، أو المكان، كما للأجسام، أو كلاهما، كما للأشخاص المتغيّرة المتكثّرة الواقعة تحت نوع من الأنواع.
و ما لا يكون مكانيّا و لا زمانيّا فلا يتعلّق بهما، و يتنفّر العقل من إسناده إلى أحدهما، كما إذا قيل: الإنسان من حيث طبيعة الإنسانيّة متى يوجد أو أين يوجد، أو كون الخمسة نصف العشرة فى أىّ زمان يكون و فى أىّ بلدة يكون، بل إذا تعيّن شخص منها، كهذا الإنسان أو هذه الخمسة و العشرة فقد يتعلّق بهما بسبب تشخّصهما.
و كون الأشخاص المتفقة الحقيقة زمانيّا أو مكانيّا لا يقتضى كون المختلفة الحقائق غير زمانىّ و غير مكانىّ، فإنّ كثيرا منها يوجد أيضا متعلّقا بالزمان و المكان، كالأجرام العلويّة بأسرها و كليّات العناصر السفليّة.
إذا تقرّر هذا فلنعد إلى المقصود و نقول: إذا كان المدرك أمرا متعلّقا بزمان أو مكان، فإنّما تكون هذه الإدراكات منه بآلة جسمانيّة لا غير كالحواسّ الظاهرة، و الباطنة، أو غيرها، فإنّه يدرك المتغيّرات الحاضرة فى زمانه و يحكم بوجودها، و يفوته ما كان فى زمان غير ذلك الزّمان و يحكم بعدمه، بل يقول: إنّه كان، أو سيكون، و ليس الآن و يدرك المتكثّرات الّتي يمكن له أن يشير إليها و يحكم عليها بأنّها فى أىّ جهة منه و على أىّ مسافة إن بعد عنه.