اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٨٣ - أقسام الإدراك و علم البارى تعالى و الكلام النفسي
مساوية للمعلوم عند العالم فى المبدأ الأوّل مشكل جدّا، و صاحب الرسالة لم يتعرّض لذلك.
و ذلك أنّ المبدأ الأوّل للموجودات- تعالى ذكره- إذا كان علمه بالأشياء بوجود صور الأشياء معقولة عنده، فلا يخلو إمّا أن تكون تلك الصّور قائمة بأنفسها أولا تكون، بل تكون قائمة بغيرها و لا يخلوا، إمّا أن يكون قيامها بذات المبدأ الأوّل، أو يكون بغيرها، فهذه ثلاثة تقديرات.
و على التقدير الأوّل يلزم القول بالمثل الأفلاطونيّة. و قد قيل فى إبطالها ما قيل؟
و على التّقدير الثاني يلزم أن يكون ذاته- تعالى- محلّا للكثرة من الامور الممكنة، فإنّ الصّور القائمة بشيء غير ذواتها لا تكون واجبة بذواتها. و علّتها إن كانت ذاته- تعالى- كان الشىء الواحد فاعلا و قابلا، معا، لشىء واحد، و هو محال عندهم، للبراهين المذكورة فى كتبهم، و إن كانت غير ذاته، كانت ذاته منفعلة عن الغير، مستكملة بالغير، و جميع ذلك محال.
و على التّقدير الثّالث ينتقض الحدّ المذكور، و هو قولهم: «إدراك الشّىء هو أن تكون حقيقته متمثّلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك». و لو جاز ذلك لجاز أن يكون زيد عالما بصورة تقوم بذهن عمرو، و ذلك محال.
و أيضا، العلم بتلك الصّور و بمحلّها امّا أن يكون بأنفس تلك الصّور و بنفس المحلّ أو بصور غيرها. و على التّقدير الأوّل ينتقض الحدّ، و على التّقدير الثّاني يتسلسل.
و لأجل هذا الشكّ العظيم نفى قوم من القدماء العلم عن اللّه- سبحانه و تعالى- أصلا. و نفى قوم آخر منهم علمه- تعالى- بما عدا ذاته (بالذّات) و قالوا: و ذلك لأنّ صورة ذاته حاصلة بنفسها، فهى عالمة بذاتها، و أمّا غيرها من الصّور فلا يجوز أن تقارنها، و لا يمكن التعقّل إلّا بمقارنة الصّور. و هذان المذهبان مذكوران فى كتب المذاهب و الآراء منقولان عنهم.
(أقسام الإدراك و علم البارى تعالى و الكلام النفسيّ)