اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٦ - قول الحكماء فى علم البارى تعالى بالجزئيات
فإنّه لا يجوز أن يقال: إنّ الواحد نصف الاثنين فى هذه السّنة أو فى هذه البلدة، و لا فى غيرهما من الأزمنة و الأمكنة. فليتأمل أنّ مثل هذا الحكم الّذي يحتاج إلى شىء يتصوّر بهذا العلم فى نفس الأمر، لا يمكن أن يختصّ بزمان أو مكان متعينين فكيف يجوز أن يختصّ المتصوّر به بهما و كيف يختصّ مبدع الأزمنة و الأمكنة بزمان أو مكان هما متأخّران عنه فى الوجود بمراتب كثيرة. و إذ يمتنع اختصاصه بالأزمنة و الأمكنة المتعيّنة فكيف يتصوّر الإشارة منه إلى زمان أو مكان متعيّنين.
و إذا عرفت ذلك من طريق العقل، و صدّقت به فإن أبى وهمك توهّم ذلك، فعليك أن لا تقدح فى الحكم العقليّ، بسبب امتناع الوهم عن قبول حكم ليس من شأنه أن يحكم به.
و لنورد لذلك مثالا، و إن كان بعيدا عنه، و هو أن نفرض سجلّا مكتوبا، يشتمل كتابته على سطور، فيها كلمات متألّفة من حروف فالسالم بجميع ما فى السّجلّ من السّطور و الكتاب و الحروف دفعة، يكون عالما بما فيه على وجه. و النّاظر فيه الّذي ينتقل نظره من سطر إلى سطر، بل من كلمة إلى كلمة و من حرف إلى حرف، بحيث يكون بعض السّطور و الكلمات و الحروف ممّا عليه، و بعضها ممّا يمرّ عليه من بعد يكون عالما بما فيه على وجه جزئيّ، مشتمل على ما خرج إلى الفعل، و على ما هو بالقوّة بعد فليتأمّل فيه و ليحكم بما يقتضيه العقل الصّريح، دون الوهم و الخيال، إن شاء اللّه. فهذا ما فهمته من قولهم: «علم المبدأ الأوّل بالجزئيّات يكون على وجه كلّيّ، لا على وجه جزئيّ زمانيّ».
و ذلك ما أردت إيراده، فى جواب سؤالى مولانا، العالم المحقق، فخر الملّة و الدّين، شمس الإسلام و المسلمين، قدوة العلماء المحققين، سيّد أفاضل المتأخّرين، قاضى القضاة- أدام اللّه علوّه و حرس مجده-، فإن طابق مراده فهو المطلوب، و إن توقّف فى شىء من ذلك أعاد بفضله ذلك الموضع، لأوضح ما عنى فيه إن شاء اللّه تعالى. و هو وليّ التّوفيق و الملهم للصّواب، منه المبدأ و إليه المآب.
فرغ من كتابة مسودّته، فى ذى القعدة، سنة ستّة و ستيّن و ستّ مائة (٦٦٦) هجريّة، حامدا و مصلّيا مسلّما و داعيا مستغفرا.