اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٤ - الجواب من خطه، قدس الله روحه
ثمّ إنّهم بيّنوا بدلائل اخر: أنّ تلك الصّورة تتجرّد عن الجسم الموضوع لها. نعنى بذلك جوهرا مجرّدا يكون مبدءا للصّورة المنطبعة. و هذا هو المفهوم من حدوث النّفس الانسانيّ، و لا تعرّض فيه لاتحّاد النّفوس بالنّوع أو اختلافها.
و لعمرى إن كانت النّفوس الإنسانية متّحدة فى النّوع، فالنّفوس الحيوانيّة ليست متّحدة، و الدّليل على حدوثها جميعا هو هذا بعينه، إلّا أنّه لم يقم برهان على تجرّدها قيامه على النّفوس الإنسانيّة. و التجرّد المثبت بالبرهان لا يقتضى اتّحاد المجرّدات فى النّوع.
و قوله: «لم يوجد دليل على اتّفاق النّفوس الإنسانيّة فى النّوع، إلّا قولهم «إنّها يشملها حدّ واحد» و هو عين محلّ النّزاع»، قول خارج من قواعدهم فإنّ الحدّ الشّامل للمتّفقات فى النّوع عندهم لا يثبت ببرهان، فلا يكون متنازعا بل لو أوردوا نفسا لا يصدق عليها ذلك الحدّ لا ينتقض الحدّ. أو لو أشار إلى مقوّمات غير مذكورة أو امور خارجة عن الماهيّة مذكورة أو سوء ترتيب يظهر فساد الحدّ، و ما لم يظهر فساده فهو صحيح، و الحدّ الصّحيح يقتضى اتّحاد المحدود فى الماهيّة بلا اشتباه.
و أمّا إبطال التّناسخ فمبنيّ على هذه المقدّمة المذكورة، و هو بأن يقال: لو فرض التّناسخ مع وجوب فيضان نفس حادث على كلّ بنية مستعدّة لوجب أن يكون لبدن واحد نفسان. هذا خلف، و ليس بواجب أن يبتنى إثبات الحدوث على إبطال التّناسخ، و إن كان أيضا يتأتّى ذلك من وجوه غير ما ذكرناه. فهذا ما عندى فى هذه المسائل.
و قد ظهر أنّ هذه المعانى لم تفت من نظر فى كلامهم نظرا شافيا، فضلا عن أن يبلغ فى التّدقيق إلى الغاية القصوى. و حاشاهم أن يكون فى كلامهم أسرار أو تأويلات، لأنّهم أرادوا أن يفشوا الخير و العلم و لا يخفوهما، بلى إنّما يحتاج فى إدراك مقاصدهم إلى ارتياض معدّ للنفوس لقبول ذلك، و كلّ ميسّر لما خلق له. فهذا ما قدرت على تحريره فى أثناء هذه العوائق و الشّواغل الّتي ليس تحتها طائل. و اللّه الموفّق و المعين.