اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٥٣ - مقدمة
فتوقّف فيه أو ردّه، فذلك راجع إلى خواصّ تقييدات صاحب النّظر الفكرىّ و انحصاره تحت أحكام إدراكاته الجزئيّة و تناهى قابليّاتها بخلاف حال المكاشف، فإنّه خلص عن حبوس القيود و خواصّ قابليّاته الموصوفة بالتّناهى. فأدرك الأشياء بمطلق ذاته تارة، و بربّه تارة، و بهما معا، و على الوجه المنبّه عليه من قبل فى أعلى مراتب تجريد الأشياء، التّجريد الوجوديّ و الإطلاق الأصليّ، و صاحب النّظر، و إن أدرك بعض ما أدركه المكاشف الخارج من الحبوس المذكورة، فإنّما يدرك ذلك البعض فى المراتب المقيّدة لتلك الحقائق، فيكون إدراكه لها بحسب تعيّن تلك الحقائق فى مراتب غربتها، و ما عرض لها من القيود فى تلك المراتب [٥٧، ب] لم يدركها فى مراتب تجريدها الأتمّ الأعلى و وطنها الحقيقيّ الّذي هو الحضرة العلميّة الإلهيّة المشار إليها من قبل.
(١٧) و تقرير ما ذكرنا و سرّه: هو أنّ النّفوس الجزئيّة، لمّا كان تعيّنها بعد المزاج و بحسبه، على ما هو مذهب المحقّقين من أهل الذّوق و الحكمة، صار كأنّ فى المزاج معنى يصحّ وصفه بالمرآتيّة، بمعنى كأنّ النّفس انطبعت فيه، فعبّر عن ذلك الانطباع «بالتعلّق التّدبيريّ».
و أيضا فلمّا كان الموجب لاجتماع الأجزاء المزاجيّة آثار القوى العلويّة و خواصّ الاتّصالات الكوكبيّة و التّشكّلات و الحركات الفلكيّة و توجّهات نفوسها و عقولها العليّة، و كان قبول الأمزجة لتلك القوى و الآثار قبولا متفاوتا، ثم استعدّ بما قبله بحسب استعداداتها الأصليّة كان المزاج كالمرأة لتلك القوى و آثاره أوّلا، و انطبع فيه منها أن يكون مرآة لقبول نفس جزئيّة تعيّنت به و بحسبه.
و لا شكّ بأنّ الأمزجة الإنسانيّة، و إن كانت واقعة فى عرض واحد، فإنّها عظيمة التّفاوت فى القرب و البعد من درجات الاعتدال. و لذلك تفاوتت النّفوس فى النّوريّة و الجوهريّة و الشّرف و غير ذلك من صفات الكمال.
و لزم أيضا أن لا تخلو النّفوس فى تعقّلاتها و تصوّراتها من خواصّ المزاج الّذي هو سبب تعيّنها، و سيّما لما يوجبه الارتباط و التعلّق التّدبيريّ، و إن لم تكن النّفس