اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٢ - (٤) أجوبة مسائل بهاء الدين المياوى
و أمّا ألمه فيزيد لوجود الحرص على الحرص مع الحرمان. و بحسب الانجذاب الّذي يزيد على ما يقتضيه عقله يزيد ألمه على لذّته، فيشتكى من التألّم الّذي هو شرّ عنه، و ذلك التّشكّي هو جزعه من مسيس الشّرّ.
و الأنبياء- عليهم السّلام- لمّا كانوا منبعثين إلى كمال ذواتهم النّاقصة بالقياس إلى الكامل بذاته، و استكمال غيرهم من الذّوات المترتّبة دونهم فى المراتب القريبة و البعيدة، كان تألّمهم و تأذّيهم بسبب فوات مطالبهم أكثر من تألّم غيرهم و تأذّيهم.
و إذا تمنّى متألم عدمه كان ذلك بسبب أنّ عدم الخير أثر من وجود الشّرّ، كما مرّ.
و ذلك لا يكون فى جميع الأحوال بل يكون عند ملاحظة الألم لا غير، و هو الجزع الّذي يتحفّظ عنه أهل الكمال بالصبر، و أمّا عند ملاحظة الخيرات الحاصلة و المرجوّة له، فيكون عبدا شكورا مغتبطا مبتهجا بتلك الخيرات. و تمنّى العدم ليس بمحال، لأنّه لا يطلب من العدم راحة و لذّة أو كمالا يصل إليه حال عدمه، بل إنّما يطلب الخلاص من الألم فقط، و كلّ من لا يعرف طريقا يتخلّص به عن ألم شديد يجده طلب عدمه، لينعدم تألّمه، كما حكى عن المعذّبين بأنّهم يقولون: «يالَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» (النبأ/ ٤٠) و: «يالَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ». (الحاقّة/ ٢٧).
و مذاهب النّفوس فى التّمنّى مختلفة، و ذلك أنّ بعضها يتحمّل ألما كثيرا للذّة قليلة، و بعضها لا يتحمّل ألما قليلا للذّة كثيرة و قد روى عن النّبى- صلى اللّه عليه و آله- أنّه قال ما معناه: «إنّى ما أحبّ أن يكون لى ذهب أو فضّة بقدر جبل احد، و انفقها فى سبيل اللّه فى يوم إلى أن أرجع إلى بيتى. و ما بقى معى منه شىء أشترى به بلغة أهلى فى ذلك اليوم». قيل له: و لم، يا رسول اللّه: قال: «لئلا يكون علي حسابه». فهو- صلّى اللّه عليه و آله- اختار عدم ألم الحساب على لذّة وجود الثّواب فى الشّىء المجازىّ. و أمّا فى الخير الحقيقىّ فلا يمكن أن يختار النّبىّ عليه شيئا أصلا.
و أمّا التعجّب من مثل هذا التّمنّى ممّن لا يشغل سرّه و لا لسانه بما لا يعنيه ليس بواجب، لأنّه ربّما كان ذلك ممّا لا يعنيه، و ذلك لأنّ التأوّه و التّشكّى فى بعض