اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٩٨ - المسألة الأولى
جميع ما ذكر فى تقرير كلّ واحد من الأمرين غير تامّ و لا مقنع للّبيب لأنّه إن قيل:
«إنّ وجوده عين حقيقته، اعتمادا و رضا بما ذكره جماعة فى تقرير ذلك»،: فلقائل أن يقول: «لا نسلّم أنّ وجود الحقّ- سبحانه- عين حقيقته».
و يدلّ على ذلك من وجوه:
منها: أنّه من البيّن أنّ مفهوم الوجود، من حيث تعيّنه فى تعقّلنا، مفهوم واحد. و هذا المفهوم، من حيث إنّه هو، مع قطع النّظر عن كلّ ما سواه، إمّا أن يقتضي أن يكون عارضا لماهيّة شىء من الماهيّات، أو لا يقتضى ذلك، [٢١، ب] أو لا يقتضي أن يكون عارضا واحدا من القسمين.
فإن كان الأوّل، وجب أن يكون كلّ وجود عارضا لماهيّة، أو له صلاحية ذلك، فوجود واجب الوجود يكون صفة لحقيقته. و إن كان الثاني وجب: إمّا أن لا يكون شىء من الوجودات المتعقّلة عارضا لشىء من الماهيّات، و إمّا أن لا تكون هذه الماهيّات الممكنة موجودة، أو تكون موجودة، لكن وجودها نفس حقيقتها. و حينئذ لا يكون مفهوم الوجود مفهوما واحدا، و قد فرضناه مفهوما واحدا، هذا خلف. و إن كان الثّالث، فحينئذ لا يكون وجود واجب الوجود مجرّدا عن الماهيّة إلّا لسبب منفصل، فلا يكون وجود واجب الوجود لذاته، بل لغيره، هذا خلف.
و الوجه الآخر: أنّ كلّ عاقل يجزم بأنّ لوجود الواجب تعيّنا فى تعقّله، يستلزم ذلك التّعيّن و التّعقّل سلب أشياء شتّى عنه و إثبات أمور شتّى أيضا له هذا مع اتّفاق جميع العقلاء بأنّ حقيقته مجهولة. فلو كان وجوده عين حقيقته لكان معلوم الحقيقة فإنّ الاتّفاق واقع بأنّه لا جائز أن يقال بأنّه معلوم الذّات من وجه، مجهول من وجه آخر لأنّه يلزم من ذلك أن يتعقّل فيه جهتان مختلفتان. و هذا باطل، لثبوت أنّه واحد من جميع الوجوه، و لا شكّ فى أنّ اختلاف الجهات فى الشّىء ينافى صرافة وحدته.
و أيضا فلو علم على هذا الوجه لعلمت حقيقته. و هذا محال، لاتّفاقهم على أنّ حقيقته مجهولة. فدلّ ما ذكرنا أنّ وجوده زائد على حقيقته.