قرب الإسناد - ط الحديثة - الحميري، أبو العباس - الصفحة ٣٣٦
فَمَا ذَا أَمَرْتَهُ؟
قَالَ: «أَمَرْتُهُ أَنْ يَسْتَوْصِيَ بِأَصْحَابِهِ خَيْراً، وَ يُعْطِيَهُمْ فِي كُلِّ هِلَالٍ ثَلَاثِينَ دِرْهَماً، وَ ذَلِكَ أَنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ غُلَامٌ عَاقِلٌ مِنْ أَبْنَاءِ مُلْكِهِمْ، فَأَوْصَيْتُهُ بِجَمِيعِ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ وَصِيَّتِي، وَ مَعَ هَذَا غُلَامٌ صِدْقٌ».
ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّكَ عَجِبْتَ مِنْ كَلَامِي إِيَّاهُ بِالْحَبَشِيَّةِ؟ لَا تَعْجَبْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الْإِمَامِ أَعْجَبُ وَ أَكْثَرُ، وَ مَا هَذَا مِنَ الْإِمَامِ فِي عِلْمِهِ إِلَّا كَطَيْرٍ أَخَذَ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ قَطْرَةً مِنْ مَاءٍ، أَ فَتَرَى الَّذِي أَخَذَ بِمِنْقَارِهِ نَقَصَ مِنَ الْبَحْرِ شَيْئاً؟ قَالَ:
فَإِنَّ الْإِمَامَ بِمَنْزِلَةِ الْبَحْرِ لَا يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ، وَ عَجَائِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَ الطَّيْرُ حِينَ أَخَذَ مِنَ الْبَحْرِ قَطْرَةً بِمِنْقَارِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ الْبَحْرِ شَيْئاً، كَذَلِكَ الْعَالِمُ لَا يَنْقُصُهُ عِلْمُهُ شَيْئاً، وَ لَا تَنْفَدُ عَجَائِبُهُ» [١].
١٢٣٩- أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ عِيسَى قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاضِيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَوْضٍ مِنْ حِيَاضِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ، عَلَيْهِ إِزَارٌ وَ هُوَ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَمُجُّهُ وَ هُوَ يُصَفِّرُ.
فَقُلْتُ: هَذَا خَيْرُ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ، وَ يَفْعَلُ هَذَا!
ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لِي «أَيْنَ نَزَلْتَ؟».
فَقُلْتُ لَهُ: نَزَلْتُ أَنَا وَ رَفِيقٌ لِي فِي دَارِ فُلَانٍ.
فَقَالَ: «بَادِرُوا وَ حَوِّلُوا ثِيَابَكُمْ وَ اخْرُجُوا مِنْهَا السَّاعَةَ».
قَالَ: فَبَادَرْتُ وَ أَخَذْتُ ثِيَابَنَا وَ خَرَجْنَا، فَلَمَّا صِرْنَا خَارِجاً مِنَ [٢] الدَّارِ، انْهَارَتِ الدَّارُ [٣].
[١] روى مثله الرّاونديّ في الخرائج ١: ٣١٢/ ٥. و نقله المجلسيّ في البحار ٤٨: ١٠٠/ ٣.
[٢] في هامش «م»: عن.
[٣] نقله المجلسيّ في البحار ٤٨: ٤٤/ ٢٥ و ٧٩: ٢٦٥/ ٣.