المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٦
أسرار القرآن معبأة في طيّ القصص و الأخبار فكن حريصا على استنباطها لينكشف لك فيها من العجائب ما تستحقر معها العلوم المزخرفة الخارجة عنها فهذا ما أردنا ذكره من معنى الانس و الانبساط الّذي هو ثمرته و بيان تفاوت عباد اللّه فيه.
(القول في معنى الرّضا بقضاء اللّه و حقيقته و ما ورد في فضيلته)
اعلم أنّ الرّضا ثمرة من ثمرات المحبّة و هو من أعلى مقامات المقرّبين و حقيقته غامضة على الأكثرين و ما يدخل عليه من التشابه و الإبهام غير منكشف إلّا لمن علّمه اللّه التأويل و فقّهه في الدّين فقد أنكر منكرون تصوّر الرّضا بما يخالف الهوى ثمّ قالوا: إن أمكن الرّضا بكلّ شيء لأنّه فعل اللّه فينبغي أن يرضى بالكفر و المعاصي، و انخدع به قوم فرأوا الرّضا بالفجور و الفسوق و ترك الاعتراض و الإنكار من باب التسليم لقضاء اللّه تعالى و لو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشّرع لما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لابن عبّاس- رضي اللّه عنه- حيث قال: «اللّهمّ فقّهه في الدّين و علّمه التأويل» [١] فلنبدأ أوّلا ببيان فضيلة الرّضا، ثمّ بحكايات أحوال الرّاضين ثمّ نذكر حقيقة الرّضا و كيفيّة تصوّره فيما يخالف الهوى، ثمّ نذكر ما يظنّ أنّه من تمام الرّضا و ليس منه كترك الدّعاء و السكوت على المعاصي.
(بيان فضيلة الرّضا)
أمّا من الآيات
فقوله تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» [٢] و قد قال تعالى «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» [٣] و منتهى الإحسان رضا اللّه تعالى عن عبده و هو ثواب رضا العبد عنه و قد قال تعالى: «وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» [٤] فقد رفع اللّه الرّضا فوق جنّات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» [٥] فكما أنّ
[١] أخرجه أحمد في مسنده و قد تقدم في العلم.
[٢] المائدة: ١٢٠.
[٣] الرحمن: ٦٠.
[٤] التوبة: ٧٣.
[٥] العنكبوت: ٤٥.