المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٩
عليه السّلام يوم الجمعة، و أن ينوي به تعظيم المسجد و احترام بيت اللّه عزّ و جلّ فلا يرى أن يدخله زائر اللّه عزّ و جلّ إلّا طيّب الرّائحة و أن يقصد به ترويح جيرانه ليستريحوا في المسجد عند مجاورته بروائحه، و أن يقصد به دفع الرّوائح الكريهة عن نفسه الّتي تؤدّي إلى إيذاء مخالطيه، و أن يقصد به حسم باب الغيبة على المغتابين إذا اغتابوه بالرّوائح الكريهة فيعصون اللّه عزّ و جلّ بسببه فمن تعرّض للغيبة و هو قادر على الاحتراز منها فهو شريك في تلك المعصية كما قيل:
مهما ترحّلت عن قوم و قد قدروا
ألاّ تفارقهم فالرّاحلون هم
و قال عزّ و جلّ: «وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» [١] أشار به إلى أنّ التسبّب إلى الشرّ شرّ، و أن يقصد به معالجة دماغه لتزيد به فطنته و ذكاؤه و يسهل عليه درك مهمّات دينه بالفكر، و قد قيل: من طاب ريحه زاد عقله، فهذا و أمثاله من النيّات لا يعجز الفقيه عنها إذا كانت تجارة الآخرة و طلب الخير غالبا على قلبه و إذا لم يغلب على قلبه إلّا نعيم الدّنيا لم تحضره هذه النيّات و إن ذكرت له لم ينبعث لها قلبه فلا يكون معه منها إلّا حديث النفس و ليس ذلك من النيّة في شيء، و المباحات كثيرة و لا يمكن إحصاء النيّات فيها فقس على هذا الواحد غيره، و لهذا قال بعض السلف: إنّي لأستحبّ أن يكون لي في كلّ شيء نيّة حتّى في أكلي و شربي و نومي و دخولي الخلا، و كلّ ذلك ممّا يمكن أن يقصد به وجه اللّه لأنّ كلّ ما هو سبب لبقاء البدن و فراغ القلب من مهمّات البدن فهو معين على الدّين، فمن كان قصده من الأكل التقوّي به على العبادة و من الوقاع تحصين دينه و تطيّب قلب أهله و التوصّل به إلى ولد يعبد اللّه فيكثر به امّة محمّد عليه السّلام كان مطيعا بأكله و نكاحه، و أغلب حظوظ النفس الأكل و الوقاع و قصد الخير بهما غير ممتنع لمن غلب على قلبه همّ الآخرة، و كذلك ينبغي أن يحسّن نيّته مهما ضاع له مال و يقول هو في سبيل اللّه، و إذا بلغه اغتياب غيره له فليطيّب قلبه بأنّه سيحمل عنه سيّئاته و ينقل إلى ديوانه حسناته و لينو ذلك بسكوته عن
[١] الانعام: ١٠٨.