المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٥
و يضمرون خبائث الاعتقادات عليك و إن صدّقوك في مودّتهم إيّاك فلا يملكون لك و لا لأنفسهم ضرّا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا و قد يكون في بلدك من أغنياء اليهود و النصارى من يزيد جاهه على جاهك و قد اشتغلت بهذه الغرور و غفلت عن النظر في جمال ملكوت السّماوات و الأرض ثمّ غفلت عن التنعّم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت و الملك و ما مثلك و مثل عقلك إلّا كمثل النملة تخرج من الجحر الّذي حفرته في قصر مشيد من قصور الملك رفيع البنيان حصين الأركان مزيّن بالجواري و الغلمان و أنواع الذّخائر و النّفائس و إنّها إذا خرجت من جحرها و لقيت صاحبتها لم تتحدّث لو قدرت على النطق إلّا من بيتها و غذائها و كيفيّة ادّخارها فأمّا حال القصر و الملك الّذي في القصر فهي بمعزل عنه و عن التفكّر فيه بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر عن نفسها و غذائها و بيتها إلى غيرها و كما غفلت النملة عن القصر و عن أرضه و سقفه و حيطانه و سائر بنيانه و غفلت أيضا عن سكّانه فأنت غافل عن بيت اللّه تعالى و عن ملائكته الّذين هم سكّان سماواته فلا تعرف من السّماء إلّا ما تعرفه النملة من سقف بيتك و لا تعرف من ملائكة السماوات إلّا ما تعرفه النملة منك و من سكّان بيتك نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك و تعرف عجائب قصرك و بدائع صنعة الصانع فيه فأمّا أنت فلك قدرة على أن تجول في الملكوت و تعرف من عجائبه ما الخلق غافلون عنها، و لنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنّه مجال لا آخر له و لو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضّل اللّه عزّ و جلّ علينا بمعرفته و كلّ ما عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة الأولياء و العلماء، و ما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما عرفه نبيّنا قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقرّبون كجبرئيل و إسرافيل و غيرهما صلوات اللّه عليهم ثمّ جميع علوم الملائكة و الجنّ و الانس إذا أضيف إلى علم اللّه سبحانه و تعالى لم يستحقّ أن يسمّى علما، هو إلى أن يسمّى دهشا و حيرة و قصورا و عجزا أقرب، فسبحان من عرّف عباده ما عرّف ثمّ قال مخاطبا جميعهم: «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١]»
[١] الإسراء: ٨٥.