المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٥
غير صادق في عمله و إن لم يكن ملتفتا إلى الخلق و لا مرائيا إيّاهم و لا ينجو من هذا إلّا باستواء السريرة و العلانية بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره فإذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سمّيت رياء و يفوت بها الإخلاص و إن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق و لذلك قال عليه السّلام: «اللّهمّ اجعل سريرتي خيرا من علانيتي و اجعل علانيتي صالحة» [١] و قيل: إذا استوت سريرة العبد و علانيته فذلك النصف، و إن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، و إن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور، فإذن مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصّدق.
(١) أقول: و ذلك كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّي و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلّا و أسبقكم إليها و لا أنهاكم عن معصية إلّا و أتناهى قبلكم عنها» [٢].
الصدق السادس- و هو أعلى الدّرجات و أعزّها- الصدق في مقامات الدّين
كالصدق في الخوف و الرّجاء و التعظيم و الزّهد و الرّضا و الحبّ و التوكّل و سائر هذه الأمور فإنّ هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ثمّ لها غايات و حقائق و الصادق المحقّق من نال حقيقتها، و إذا غلب الشيء و تمّت حقيقته يسمّى صاحبها صادقا كما يقال فلان صدق القتال، و يقال: هذا هو الخوف الصادق، و هذه هي الشهوة الصادقة، و قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا- إلى قوله- أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» [٣] و قال تعالى: «وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- ثمّ قال:- وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ- إلى قوله- أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا» [٤].
و سئل أبو ذر عن الإيمان فقرأ هذه الآية فقيل له: سألناك عن الإيمان فقال:
سألت رسول اللّه عن الإيمان فقرأ هذه الآية» [٥] و لنضرب للخوف مثلا فما من عبد
[١] قال العراقي: لم أجده.
[٢] النهج قسم الخطب تحت رقم ١٧٣.
[٣] الحجرات: ١٥.
[٤] البقرة: ١٧٧.
[٥] أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، و عبد بن حميد، و ابن مردويه عن القاسم ابن عبد الرحمن كما في الدر المنثور ج ١ ص ١٦٩.