المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦١
عطش أرويته و أذقته طعم ذكري فإذا فعلت ذلك به يا داود عزفت نفسه عن الدّنيا و أهلها و لم احبّبها إليه لئلاّ تصدّه عن الاشتغال بي يستعجلني بالقدوم عليّ و أنا أكره أن أميته لأنّه موضع نظري من بين خلقي لا يرى غيري و لا أرى غيره فلو رأيته يا داود و قد ذابت نفسه و نحل جسمه و تهشّمت أعضاؤه و انخلع قلبه إذا سمع بذكري أباهي به ملائكتي و أهل سماواتي تزداد خوفا و عبادة، و عزّتي و جلالي يا داود لأقعدنّه في الفردوس و لأشفينّ صدره من النظر إليّ حتّى يرضى و فوق الرضا.
و في أخبار داود أيضا قل لعبادي المتوجّهين إليّ بمحبّتي ما ضرّكم إذا احتجبتم عن خلقي إذ رفعت الحجاب فيما بيني و بينكم حتّى تنظروا إليّ بعيون قلوبكم، و ما ضرّكم ما زويت عنكم من الدّنيا إذ بسطت ديني لكم، و ما ضرّكم مسخطة الخلق إذا التمستم رضاي.
و في أخبار داود إنّ اللّه تعالى أوحى إليه: يا داود أنّك تزعم أنّك تحبّني فإن كنت تحبّني فأخرج حبّ الدّنيا عن قلبك فإن حبّي و حبّها لا يجتمعان في قلب، يا داود خالص محبّتي مخالصة و خالط أهل الدّنيا مخالطة و دينك فقلّدنيه و لا تقلّد دينك الرّجال أمّا ما استبان لك ممّا يوافق محبتّي فتمسّك به و أمّا ما أشكل عليك فقلّدنيه حقّا عليّ أن أتولّى سياستك و تقويمك و أكون قائدك و دليلك، أعطيك من غير أن تسألني و أعينك على الشدائد فإنّي قد آليت على نفسي ألاّ أثيب إلّا عبدا هرب عن طلبته و إرادته و ألقى نفسه بين يدي فإنّه لا غنى به عنّي فإذا كنت كذلك نزعت الوحشة و الذلّة عنك و أسكنت الانس و الحلاوة قلبك فإنّي قد حلفت على نفسي أنّه لا يطمئنّ عبد لي إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلّا وكلته إليها أضف الأشياء إليّ لا تضادّ عملك فتكون متعنّتا و لا ينتفع بك من يصحبك و لا تحدّ لمعرفتي حدّا فليس لها نهاية و متى طلبت منّي الزّيادة أعطيك، و لا تجد لزيادتك منّي حدّا، ثمّ أعلم بني إسرائيل أنّه ليس بيني و بين أحد من خلقي نسب فلتعظم رغبتهم و إرادتهم عندي أبيح لهم ما لا عين رأت و لا إذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، ضعني بين عينيك و انظر إليّ ببصر قلبك و لا تنظر بعينك الّتي في رأسك إلى الّذين حجبت عقولهم