المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٢
وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ربّهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة فرحوا بها و دأبوا في شكرها [١]و سألوا اللّه أن يتقبّلها، و إذا عملوا السيّئة أحزنتهم و سألوا اللّه أن يغفرها لهم ما زالوا كذلك و على ذلك و اللّه ما سلموا من الذّنوب و لا نجوا إلّا بالمغفرة. و يحكى أنّ قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه و إذا فيهم شابّ ناحل الجسم فقال له عمر: يا فتى ما الّذي بلغ بك ما أرى فقال: يا أمير المؤمنين أسقام و أمراض فقال: سألتك باللّه إلّا صدقتني فقال: يا أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدّنيا فوجدتها مرّة و صغر عندي زهرتها و حلاوتها و استوى عندي ذهبها و حجرها و كأنّي أنظر إلى عرش ربّي بارزا و الناس يساقون إلى الجنّة و النار فأظمأت لذلك نهاري و أسهرت له ليلي و قليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب اللّه و عقابه. و قال أبو الدّرداء: لو لا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا: الظمأ للَّه بالهواجر و السجود للَّه في جوف اللّيل و مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر.
و قيل: إنّ قوما أرادوا سفرا فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه فأشرف عليهم من صومعته فقالوا: يا راهب إنّا قد أخطأنا الطريق فكيف هو فأومأ برأسه إلى السماء فلم يعلم الناس ما أراد، فقالوا: يا راهب إنّا سائلوك فهل أنت مجيبنا؟ فقال: سلوا و لا تكثروا فإنّ النهار لن يرجع و العمر لا يعود و الطالب حثيث، فتعجّب القوم من كلامه فقالوا: يا راهب على م يحشر الخلق غدا عند مليكهم فقال: على نيّاتهم، فقالوا: أوصنا فقال: تزوّدوا على قدر سفركم فإنّ خير الزّاد ما بلغ البغية ثمّ أرشدهم إلى الطريق و أدخل رأسه في صومعته. و قال عبد الواحد ابن زيد: مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فناديته يا راهب فلم يجبني فناديته الثانية فلم يجب فناديته الثالثة فأشرف عليّ و قال: يا هذا ما أنا براهب إنّما الرّاهب من رهب اللّه في سمائه و عظّمه في كبريائه و صبر على بلائه و رضي بقضائه و حمده على آلائه و شكره على نعمائه و تواضع لعظمته و ذلّ لعزّته و استسلم لقدرته و خضع لمهابته و فكر في حسابه و عقابه فنهاره صائم و ليله قائم قد أسهره ذكر النّار و مسألة
[١] أي جدّوا و تعبوا و استمروا عليه.