المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥
المشاهدة و اللّقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار و القول في سبب كونها حجابا يطول و لا يليق بهذا العلم و لذلك قال تعالى لموسى عليه السّلام: «لَنْ تَرانِي» [١] و قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» [٢] أي في الدّنيا. و الصحيح أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «ما رأى اللّه عزّ و جلّ ليلة المعراج»[١].
(١) أقول: بل التحقيق أنّه لا فرق في الرؤية بين الدّنيا و الآخرة فكما أنّه لا يجوز رؤيته سبحانه في الدّنيا بالعين و البصر فكذلك لا يجوز رؤيته في الآخرة بالعين و البصر، و كما أنّه يجوز رؤيته في الآخرة بالقلب و البصيرة لأهل البصائر أعني غاية الانكشاف و الوضوح بحيث يتأدّى إلى المشاهدة و اللّقاء كذلك يجوز رؤيته في الدّنيا بهذا المعنى و الحجاب بينه و بين خلقه ليس إلّا الجهل و قلّة المعرفة دون البدن، فإنّ أولياء اللّه يشاهدونه في الدّنيا في جميع أحوالهم و متصرّفاتهم ليلهم و نهارهم كما قال تعالى:
«وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [٣] و قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» [٤] و قال: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» [٥] فسمّاهم شهداء لمشاهدتهم له في جميع أحوالهم كما ذكر بقوله: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» [٦] و قال: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [٧] و قال: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ- الآية» [٨]. و قال: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [٩] فلمّا تحقّق أولياء اللّه بمعاني هذه الآيات شاهدوه بأعين قلوبهم، سئل أمير المؤمنين عليه السّلام «هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره، قيل: و كيف رأيته؟ قال: ويلك
[١] قال العراقي: هذا الذي صححه المصنف هو قول عائشة ففي الصحيحين أنها قالت «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب».
[١] الأعراف: ١٤٠.
[٢] الانعام: ١٠٣.
[٣] الحديد: ١٩.
[٤] آل عمران: ١٦.
[٥] الزخرف: ٨٦.
[٦] البقرة: ١١٠.
[٧] الحديد: ٣.
[٨] المجادلة: ٨.
[٩] ق: ١٦.