المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٦
و قيل للصادق عليه السّلام: صف لنا الموت فقال: «هو للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينعس[١]لطيبة فيقع التعب و الألم كلّه عنه، و للكافر كلدغ الأفاعي و كلسع العقارب و أشدّ، قيل: فإنّ قوما يقولون: إنّه هو أشدّ من نشر بالمناشير، و قرض بالمقاريض، و رضخ بالحجارة، و تدوير قطب الأرحية[٢]في الأحداق؟ فقال كذلك هو على بعض الكافرين و الفاجرين، أ لا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد فذلكم الّذي هو أشدّ من هذا إلّا من عذاب الآخرة، فهذا أشدّ من عذاب الدّنيا.
قيل: فما بالنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفي و هو يتحدّث و يضحك و يتكلّم و في المؤمنين من يكون أيضا كذلك و في المؤمنين و الكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال: ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه و ما كان من شديدة فهو تمحيصه من ذنوبه ليردّ إلى الآخرة نقيّا نظيفا مستحقّا لثواب اللّه ليس له مانع دونه و ما كان من سهولة هناك على الكافرين فليوفّى أجر حسناته في الدّنيا ليردّ إلى الآخرة و ليس له إلّا ما يوجب عليه العذاب و ما كان من شدّة هناك على الكافرين فهو ابتداء عقاب اللّه له بعد نفاد حسناته ذلكم بأنّ اللّه عدل لا يجور [١]».
و دخل موسى بن جعفر عليهما السّلام على رجل قد عرق في سكرات الموت و هو لا يجيب داعيا فقالوا له: يا ابن رسول اللّه وددنا لو عرفنا كيف حال صاحبنا و كيف الموت؟ فقال: إنّ الموت هو المصفّاة يصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم و كفّارة آخر وزر عليهم و يصفّي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذّة أو نعمة أو رحمة تلحقهم و هو آخر ثواب حسنة تكون لهم، و أمّا صاحبكم هذا فقد تخلّى من الذّنوب و صفّي من الآثام تصفية و خلص حتّى نقي كما ينقّى الثوب من الوسخ و صلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد» [٢].
[١] في بعض نسخ المصدر [فيتنفس].
[٢] الرضخ: الرمي. و الارحية: جمع الرحى و هي الطاحون.
[١] معانى الاخبار ص ٢٨٧.
[٢] معانى الاخبار ص ٢٨٩.