المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٤
عليها و يقدر على الاستكثار منها و يرتّب لها تفصيلها و كيفيّتها و كيفيّة الاستعداد لها بأسبابها، و هذه شروط يفتقر إليها كلّ يوم و لكن إذا تعوّد الإنسان بأن شرط ذلك على نفسه أيّاما و طاوعته نفسه في الوفاء بحقّها استغنى عن المشارطة فيها و إن أطاع في بعضها بقيت الحاجة إلى تجديد المشارطة فيما بقي و لكن لا يخلو كلّ يوم من مهمّ جديد و واقعة حادثة لها حكم جديد و للَّه عليه فيه حقّ و يكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدّنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس إذ قلّما يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حقّ اللّه فيها فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة عليها و الانقياد للحقّ في مجاريها و يحذّرها مغبّة الإهمال و يعظها كما يوعظ العبد المتمرّد الآبق، فإنّ النفس بالطبع متمرّدة عن الطاعات مستعصية عن العبوديّة و لكن الوعظ و التأديب يؤثّر فيها «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» فهذا و ما يجري مجراه هو أوّل مقام المرابطة مع النفس و هي المحاسبة قبل العمل، و المحاسبة تارة تكون قبله للتحذير قال اللّه تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ» [١] و هذا للمستقبل و كلّ نظر في كمّيّة و مقدار لمعرفة زيادة و نقصان فإنّه يسمّى محاسبة، فانظر فيما بين العبد و الرّبّ في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة و قد قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» [٢] و قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» [٣] و قال تعالى:
«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ» [٤] ذكر ذلك تنبيها و تحذيرا للاحتراز منه في المستقبل.
و روى عبادة بن الصامت أنّه عليه السّلام قال لرجل سأله أن يوصيه و يعظه: «إذا أردت أمرا فتدبّر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه و إن كان غيّا فانته عنه» [٥].
[١] البقرة: ٢٣٥.
[٢] النساء: ٩٣.
[٣] الحجرات: ٦.
[٤] ق: ١٦.
[٥] رواه ابن المبارك في الزهد عن أبي جعفر بن مسور الهاشمي مرسلا بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.