المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٤
فهم في باطن أمورهم كالدّيباج حسنا و هم في الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا.
و هذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلّف و إنّما هو فضل اللّه يؤتيه من يشاء، و قال بعض الصّالحين: بينا أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هنالك فإذا أنا بصوت قد علا و إذا تلك الجبال تجيبه لها دويّ عال فأتبعت الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتفّ، و إذا أنا برجل قائم يردّد هذه الآية: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً- إلى قوله:- وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» [١] قال: فجلست خلفه أسمع كلامه و هو يردّد هذه الآية إذ صاح صيحة خرّبها مغشيّا عليه قلت:
وا أسفاه هذا لشقائي، ثمّ انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته و هو يقول: أعوذ بك من مقام الكذّابين، أعوذ بك من أعمال البطّالين، أعوذ بك من إعراض الغافلين، ثمّ قال: لك خشعت قلوب الخائفين و إليك فزعت آمال المقصّرين و لعظمتك ذلّت قلوب العارفين، ثمّ نفض يديه فقال: ما لي و للدّنيا و ما للدّنيا و لي عليك يا دنيا بأبناء جنسك و آلاف نعيمك إلى محبّيك فاذهبي و إيّاهم فاخدعي ثمّ قال: أين القرون الماضية و أهل الدّهور السالفة في التراب يبلون و على مرّ الزّمان يفنون، فناديته يا عبد اللّه أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال: و كيف يفرغ من يبادر الأوقات و تبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيّامه و بقيت آثامه، ثمّ قال: أين أنت لها و لكلّ شدّة أتوقّع نزولها، ثمّ لهى عنّي ساعة و قرأ «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» ثمّ صاح صيحة أخرى أشدّ من الأولى و خرّ مغشيّا عليه منها فقلت: قد خرجت نفسه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثمّ أفاق و هو يقول:
ما أنا ما خطري هب لي إساءتي بفضلك و جلّلني بسترك و اعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك. فقلت له: بالّذي ترجوه لنفسك و تثق به إلّا كلّمتني فقال:
عليك بكلام من ينفعك كلامه و دع كلام من أوبقته ذنوبه إنّي لفي هذا الموضع منذ ما شاء اللّه أجاهد إبليس و يجاهدني فلم يجد عونا عليّ ليخرجني ممّا أنا فيه غيرك فإليك عنّي يا مخدوع فقد عطّلت عليّ لساني و مالت إلى حديثك شعبة من قلبي فأنا أعوذ باللّه
[١] آل عمران: ٢٨- ٣٠.