المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٢
كمال الانس بمناجاة المحبوب و كمال التنعّم بالخلوة به و كمال الاستيحاش من كلّ ما ينغّص عليه الخلوة و يعوق عن لذّة المناجاة.
و علامة الانس باللّه أن يصير العقل و الفهم كلّه مستغرقا بلذّة المناجاة كالّذي يخاطب معشوقه و يناجيه، و قد انتهت هذه اللّذّة ببعضهم حتّى أنّه كان في صلاته و وقع الحريق في داره فلم يشعر به، و قطعت رجل بعضهم بسبب علّة أصابته و هو في الصلاة فلم يشعر به، و مهما غلب الحبّ و الانس صارت الخلوة و المناجاة قرّة عينه تدفع بها جميع الهموم بل يستغرق الانس و الحبّ قلبه حتّى لا يفهم أمور الدّنيا ما لم تكرّر على سمعه مرارا مثل العاشق الولهان فإنّه يكلّم الناس بلسانه و انسه في الباطن بذكر حبيبه و المحبّ من لا يطمئنّ إلّا إلى محبوبه و أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام قد كذب من ادّعى محبّتي إذا جنّه اللّيل نام عنّي أ ليس كلّ محبوب يحبّ لقاء حبيبه؟ فها أنا ذا موجود لمن طلبني. و قال موسى عليه السّلام: يا ربّ أين أنت فأقصدك؟
فقال: إذا قصدتني فقد وصلت.
و منها أن لا يتأسّف على ما يفوته ممّا سوى اللّه و يعظم تأسّفه على فوت كلّ ساعة خلت عن ذكر اللّه و طاعته فيكون رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف و الاستعتاب و الاستغفار و التوبة إليه قال بعض العارفين: إنّ للَّه عزّ و جلّ عبادا أحبّوه و اطمأنّوا إليه فذهب عنهم التأسّف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظّ أنفسهم إذ كان قلبهم شاكرا راضيا، و ملك مليكهم تامّا، و ما شاء كان، فما كان لهم فهو واصل إليهم و ما فاتهم فلحسن تدبيره لهم، و حقّ المحبّ إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه و يشتغل بالعتاب و يسأله و يقول: يا ربّ بأيّ ذنب قطعت برّك عنّي و أبعدتني عن حضرتك و شغلتني بنفسي و بمتابعتي الشّيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر و رقّة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة و تكون هفوته سببا لتجدّد ذكره و صفاء قلبه و مهما لم ير المحبّ إلّا المحبوب و لم ير شيئا إلّا منه لم يتأسّف و لم يشك و استقبل الكلّ بالرّضا و علم أنّ المحبوب لم يقدر له إلّا ما فيه خيرته و يذكر قوله تعالى: «عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» [١] و منها أن يتنعّم بالطاعة و لا يستثقلها و يسقط
[١] البقرة: ٢١٣.