المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٢
إلى الأرض مهما استنار بنور الشّمس و نستدلّ به على عظم نور الشّمس بالإضافة إلى نور القمر و سائر الكواكب لأنّ نور الأرض من آثار نور الشّمس و النظر في الأثر يدلّ على المؤثّر دلالة ما و إن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثّر و جميع موجودات الدّنيا أثر من آثار قدرة اللّه تعالى و نور من أنواره بل لا ظلمة أشدّ من العدم و لا نور أظهر من الوجود و وجود الأشياء كلها نور من أنوار ذاته تعالى و تقدّس إذ قوام وجود الأشياء بذاته القيّوم بنفسه كما أنّ قوام نور الأجسام بنور الشّمس المضيئة بنفسها و مهما انكسف بعض الشّمس فقد جرت العادة بأن يوضع طست ماء حتّى ترى الشّمس فيه و يمكن النظر إليها فيكون الماء واسطة يغضّ قليلا من نور الشّمس حتّى يطاق النظر إليها و كذلك الأفعال واسطة يشاهد فيها صفات الفاعل و لا يبهرنا نور الذّات بعد أن تباعدنا عنه بواسطة الأفعال، فهذا سرّ قوله عليه السّلام «تفكّروا في خلق اللّه و لا تتفكّروا في ذات اللّه».
(بيان كيفيّة التفكّر في خلق اللّه عزّ و جلّ)
اعلم أنّ كلّ ما في الوجود ممّا سوى اللّه فعل اللّه عزّ و جلّ و خلقه و كلّ ذرّة من الذّرّات من جوهر و عرض و صفة و موصوف ففيها عجائب و غرائب تظهر بها حكمة اللّه و قدرته و جلاله و عظمته و إحصاء ذلك غير ممكن لأنّه لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي بل عشر عشير ذلك و لكنّا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما عداه. فنقول الموجودات المخلوقة منقسمة إلى ما لا يعرف أصلها فلا يمكننا التفكّر فيها، و كم من الموجودات الّتي لا نعلمها كما قال تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ [١]» و قال «وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ [٢]» و إلى ما يعرف أصلها و جملتها و لا يعرف تفصيلها فيمكننا أن نتفكّر في تفصيلها و هي منقسمة إلى ما أدركناه بحسّ البصر و إلى ما لا ندركه بالبصر أمّا ما لا ندركه بالبصر فكالملائكة و الجنّ و الشياطين و أمّا المدركات بحسّ البصر فهي السماوات السبع و الأرضون و ما بينهما و السماوات
[١] يس: ٣٦.
[٢] الواقعة: ٦١.