المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٩
قال أبو حامد: فهذه سكرات الموت على أوليائه و أحبّائه فما حالنا و نحن المنهمكون في المعاصي و يتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدّواهي فإنّ دواهي الموت ثلاثة الأولى شدّة النزع كما ذكرناه، الدّاهية الثانية مشاهدة صورة ملك الموت و دخول الرّوع و الخوف منه على القلب، فلو رأى صورته الّتي عليها يقبض روح العبد المذنب أعظم الرّجال قوّة لم يطق رؤيته فروي عن إبراهيم الخليل عليه السّلام أنّه قال لملك الموت هل تستطيع أنّ تريني الصورة الّتي تقبض فيها روح الفاجر؟
قال: فأعرض عنّي فأعرض عنه ثمّ التفت فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الرّيح أسود الثياب يخرج من فيه و منخريه لهب النار و الدّخان فغشي على إبراهيم عليه السّلام ثمّ أفاق و قد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر عند موته إلّا صورة وجهك لكان حسبه [١]. و أمّا المطيع فإنّه يراه في أحسن صورة و أجملها فقد روى عكرمة عن ابن عبّاس أنّ إبراهيم صلوات اللّه عليه كان رجلا غيورا و كان له بيت يتعبّد فيه فإذا خرج أغلقه فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت فقال: من أدخلك داري، فقال: أدخلنيها ربّها فقال: أنا ربّها قال: أدخلنيها من هو أملك لها منّي و منك فقال: من أنت من الملائكة؟ قال:
أنا ملك الموت فقال: فهل تستطيع أن تريني الصورة الّتي تقبض فيها روح المؤمنين؟
قال: نعم فأعرض عنّي فأعرض عنه، ثمّ التفت فإذا هو بشابّ فذكر من حسن وجهه و حسن ثيابه و طيب ريحه فقال: يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلّا صورتك كان حسبه. و منها مشاهدة الملكين الحافظين قال وهب: بلغنا أنّه ما من ميّت يموت حتّى يتراءى له الملكان الكاتبان عمله فإن كان مطيعا قالا له: جزاك اللّه عنّا خيرا فربّ مجلس صدق أجلستنا و عمل صالح قد أحضرتنا و إن كان فاجرا قالا:
لا جزاك اللّه عنّا خيرا فربّ مجلس سوء قد أجلستنا و عمل غير صالح قد أحضرتنا و كلام قبيح قد أسمعتنا فلا جزاك اللّه عنّا خيرا [٢]. فذلك حين شخوص بصر الميّت
[١] جامع الاخبار فصل ١٣٥.
[٢] راجع جامع الاخبار فصل ١٣٣ في القبر.