المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧١
ينسب إليه، فإنّ من يحبّ إنسانا يحبّ كلب حبيبه، فالمحبّة إذا قويت تعدّت من المحبوب إلى كلّ ما يكتنف بالمحبوب و يحيط به و يتعلّق بأسبابه، و ذلك ليس شركة في الحبّ فإنّ من أحبّ رسول المحبوب لأنّه رسوله، و كلامه لأنّه كلامه فلم يجاوز حبّه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبّه، و من غلب حبّ اللّه على قلبه أحبّ جميع خلق اللّه لأنّهم خلقه فكيف لا يحبّ القرآن و الرّسول و عباد اللّه الصالحين، و قد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب آداب الاخوّة و الصحبة و لذلك قال اللّه تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [١] و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه و أحبّوني للَّه تعالى» [٢] و قيل: من أحبّ من يحبّ اللّه فإنّما أحبّ اللّه عزّ و جلّ و من أكرم من يكرم اللّه تعالى فإنّما يكرم اللّه عزّ و جلّ.
و منها أن يكون انسه بالخلوة و مناجاة اللّه تعالى و تلاوة كتابه فيواظب على التهجّد و يغتنم هدء اللّيل و صفاء الوقت بانقطاع العوائق، و أقلّ درجات الحبّ التلذّذ بالخلوة بالحبيب و التنعّم بمناجاته فمن كان النوم و الاشتغال بالحديث ألذّ عنده و أطيب من مناجاة اللّه عزّ و جلّ كيف تصحّ محبّته، و مهما أنس بغير اللّه كان بقدر انسه بغير اللّه مستوحشا من اللّه ساقطا عن درجة محبّته و في قصّة برخ و هو العبد الأسود الّذي استسقى به موسى عليه السّلام إنّ اللّه عزّ و جلّ قال لموسى: إنّ برخا نعم العبد هو لي إلّا أنّ فيه عيبا، قال: يا ربّ و ما عيبه؟ قال: يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه و من أحبّني لا يسكن إلى شيء.
و روي أنّ عابدا عبد اللّه في غيضة[١]دهرا طويلا فنظر يوما إلى طائر و قد عشّش في شجرة يأوي إليها و يصفر عندها فقال: لو حوّلت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر، ففعل فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّ زمانه قل لفلان العابد:
استأنست بمخلوق لأحطّنّك عن درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا. فعلامة المحبّة
[١] الغيضة: الاجمة مجتمع الشجر في مغيض الماء.
[١] آل عمران: ٣٠.
[٢] تقدم في باب شواهد الشرع في باب حب العبد للَّه تعالى.