المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨١
تدّعين الحكمة و الذّكاء و الفطنة و أنت أشدّ الناس غباوة و حمقا أما تعرفين ما بين يديك من الجنّة و النار و أنت صائرة إلى إحداهما على القرب فما لك تفرحين و تضحكين و تشتغلين باللّهو و أنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم و عساك اليوم تختطفين أو غدا فأراك ترين الموت بعيدا و يراه اللّه تعالى قريبا أما تعلمين أنّ كلّ ما هو آت قريب و أنّ البعيد ما ليس بآت، أما تعلمين أنّ الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول و من غير مواعدة و مواطأة، و أنّه لا يأتي في شتاء دون صيف، و لا في صيف دون شتاء و لا في نهار دون ليل، و لا في ليل دون نهار، و لا يأتي في سنّ الصبا دون الشباب و لا في الشباب دون الصّبا بل كلّ نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة ثمّ يفضي إلى الموت فما لك لا تستعدّين للموت و هو أقرب إليك من كلّ قريب أما تتدبّرين قوله تعالى: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ» [١] ويحك يا نفس جرأتك على معصية اللّه إن كانت لاعتقادك أنّ اللّه لا يراك فما أعظم كفرك و إن كانت مع علمك باطّلاعه عليك فما أشدّ وقاحتك و أقلّ حياءك ويحك لو واجهك أخ من إخوانك بل عبد من عبادك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه و مقتك له فبأيّ جسارة تتعرّضين لمقت اللّه تعالى و غضبه و شديد عقابه أ فتظنّين أنّك تطيقين عذابه هيهات هيهات جرّبي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمّام أو قرّبي أصبعك من النار ليتبيّن لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم اللّه عزّ و جلّ و فضله و استغنائه عن طاعتك و عبادتك فما لك لا تعولين على كرم اللّه في مهمّات دنياك فإذا قصدك عدوّ فلم تستنبطين الحيل في دفعه و لا تكلينه إلى كرم اللّه عزّ و جلّ، و إذا أرهقك حاجة إلى شهوة من شهوات الدّنيا ممّا لا ينقضي إلّا بالدينار و الدّرهم فما لك تنزعين الرّوح في طلبه و تحصيله من وجوه الحيل؟ فلم لا تعولين على كرم اللّه عزّ و جلّ حتّى يعينك على ذلك أو يسخّر عبدا من عبيده ليحمل إليك حاجتك من غير سعيك و طلبك أ فتحسبين
[١] الأنبياء: ٢ و ٣ و ٤.