المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٦
خياله فيشتاق إلى استكمال خياله بالرّؤية فلو انمحى عن قلبه ذكره و خياله و معرفته حتّى نسيه لم يتصوّر أن يشتاق إليه و لو رآه لم يتصوّر أن يشتاق إلى معرفته في وقت الرّؤية فمعنى شوقه تشوّف نفسه إلى استكمال خياله، و لذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته فيشتاق إلى استكمال رؤيته، و تمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه، و الثاني أن يرى وجه محبوبه و لا يرى شعره و لا سائر محاسنه مثلا و لا سائر أعضائه فيشتاق إلى رؤيته و لو لم يرها قطّ و لم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرّؤية و لكنّه يعلم أنّ له عضوا و أعضاء جميلة و لم يدرك تفصيل جمالها بالرّؤية فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قطّ و الوجهان جميعا متصوّران في حقّ اللّه بل هما لازمان بالضرورة لكلّ العارفين فإنّ ما اتّضح للعارفين من الأمور الإلهيّة و إن كان في غاية الوضوح فكأنّه من وراء ستر رقيق فلا يكون متّضحا غاية الاتّضاح بل يكون مشوبا بشوائب التخيّلات فإنّ الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل و المحاكاة لجميع المعلومات و هي مكدّرات للعارف و منغصات، و كذلك ينضاف إليها شواغل الدّنيا فإنّما كمال الوضوح بالمشاهدة و تمام إشراق التجلّي و لا يكون ذلك إلّا في الآخرة و ذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنّه منتهى محبوب العارفين فهذا هو أحد نوعي الشوق و هو استكمال الوضوح فيما اتّضح اتّضاحا ما، الثاني أنّ الأمور الإلهيّة لا نهاية لها و إنّما ينكشف لكلّ عبد من العباد بعضها و تبقى أمور لا نهاية لها غامضة، و العارف يعلم وجودها و كونها معلومة للَّه و يعلم أنّ ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر ممّا حضر فلا يزال متشوّفا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل له ممّا بقي من المعلومات الّتي لم يعرفها أصلا لا معرفة واضحة و لا معرفة غامضة و الشوق الأوّل ينتهي في الدّار الآخرة بالمعنى الّذي يسمّى رؤية و لقاء و مشاهدة و لا يتصوّر أن يسكن في الدّنيا و قد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال: قلت ذات يوم: يا ربّ إن أعطيت أحدا من المحبّين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضرّ بي القلق، قال: فرأيت في النوم كأنّه أوقفني بين يديه و قال: يا إبراهيم أ ما استحييت منّي أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل