المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٦
يؤمن باللّه إلّا و هو خائف من اللّه خوفا ينطلق عليه الاسم و لكنّه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة أما تراه إذا خاف سلطانا أو قاطع طريق في سفره كيف يصفرّ لونه و ترتعد فرائصه و يتنغّص عليه عيشه و يتعذّر عليه أكله و نومه و يتقسّم عليه فكره حتّى لا ينتفع به أهله و ولده و قد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة و بالرّاحة التعب و المشقّة و التعرّض للأخطار كلّ ذلك خوفا من درك المحذور ثمّ إنّه يخاف النار و لا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصيته عليه و لذلك قال عليه السّلام: «لم أر مثل النار نام هاربها و لم أر مثل الجنّة نام طالبها» [١] فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جدّا و لا غاية لهذه المقامات حتّى ينال غايتها و لكن لكلّ عبد منها حظّ بحسب حاله إمّا ضعيف و إمّا قويّ فإذا قوي سمّي صادقا فيه فمعرفة اللّه عزّ و جلّ و تعظيمه و الخوف منه لا نهاية له و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لجبرئيل عليه السّلام: «احبّ أن أراك في صورتك الّتي هي صورتك فقال: لا تطيق ذلك، قال: بلى أرني قال: فواعده بالبقيع في ليلة مقمرة فأتاه فنظر إليه فإذا هو به قد سدّ الأفق يعني جوانب السماء فوقع عليه السّلام مغشيّا عليه فأفاق و قد عاد جبرئيل عليه السّلام إلى صورته الأولى فقال: ما ظننت أنّ أحدا من خلق اللّه عزّ و جلّ هكذا، قال: كيف و لو رأيت إسرافيل أنّ العرش لعلى كاهله و أنّ رجليه قد مرقتا تخوم الأرضين السفلى و أنّه ليتصاغر من عظمة اللّه حتّى يصير كالوصع يعني كالعصفور الصغير»[١]فانظر ما الّذي يغشاه من العظمة و الهيبة حتّى يرجع إلى ذلك الحدّ و سائر الملائكة ليسوا كذلك لتفاوتهم في المعرفة فهذا هو الصدق في التعظيم.
و قال جابر: قال عليه السّلام: «مررت ليلة أسري بي أنا و جبرئيل بالملإ الأعلى كالحلس البالي من خشية اللّه عزّ و جلّ» [٢] يعني الكساء الّذي يلقى على ظهر
[١] تقدم في كتاب الرجاء و الخوف أنه رأى جبرئيل في صورته مرتين.
[١] أخرجه الترمذي في صحيحه ج ١٠ ص ٦٥ من حديث أبي هريرة و الطبراني في الأوسط من حديث أنس.
[٢] رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة و البيهقي في دلائل النبوة من حديث أنس (المغني).