المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٣
عنه تعبها و كلّ هذا مثاله موجود في المشاهدات فإنّ العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه و يستلذّ خدمته بقلبه و إن كان شاقّا على بدنه و مهما عجز بدنه كان أحبّ الأشياء إليه أن تعاوده القدرة و أن يفارقه العجز حتّى يشتغل به فهكذا يكون حبّ اللّه عزّ و جلّ فإنّ كلّ حبّ صار غالبا قهر لا محالة ما دونه فمن كان محبوبه أحبّ إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته و من كان أحبّ إليه من المال ترك المال في حبّه. و قيل لبعض المحبّين و قد كان بذل ماله و نفسه حتّى لم يبق له شيء: ما كان سبب حالك هذه في المحبّة؟ فقال: سمعت يوما محبّا ظفر بمحبوبه و هو يقول له: أنا و اللّه احبّك بقلبي كلّه و أنت معرض عنّي بوجهك كلّه، فقال له المحبوب:
إن كنت تحبّني فأيش تنفقه عليّ؟ فقال: يا سيدي املّكك ما أملك، ثمّ أنفق عليك روحي حتّى تهلك، فقلت: هذا حبّ خلق لخلق و عبد لعبد فكيف بعبد لمعبود، فكلّ هذا بسببه.
و منها أن يكون مشفقا على جميع عباد اللّه، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء اللّه و على كلّ من يقارف شيئا ممّا يكرهه اللّه عزّ و جلّ كما قال اللّه تعالى:
«أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» [١] و لا تأخذه في اللّه لومة لائم و لا يصرفه عن الغضب للَّه صارف، و به وصف اللّه تعالى أولياءه إذ قال في بعض الكتب: الّذين يكلّفون بحبّي كما يكلّف الصبيّ بالشيء و يأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره و يغضبون لمحارمي كما يغضب النمر إذا حرد فإنّه لا يبالي قلّ الناس أم كثروا، فانظر إلى هذا المثال فإنّ الصبيّ إذا كلّف بالشيء لم يفارقه أصلا فإن أخذ منه لم يكن له شغل إلّا البكاء و الصياح حتّى يردّ إليه فإذا نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه عاد و تمسّك به و مهما فارقه بكى و مهما وجده فرح و ضحك و من نازعه فيه أبغضه معه و من أعطاه أحبّه، و أمّا النمر فإنّه لا يملك نفسه عند الغضب حتّى يبلغ من شدّة غضبه أن يهلك نفسه، فهذه علامات المحبّة فمن تمّت فيه هذه العلامات فقد تمّت محبّته و خلص حبّه و صفا في الآخرة شرابه و عذب مشربه و من امتزج بحبّه
[١] الفتح: ٢٩.