المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٣
و قال الشبلي:
إنّ المحبّة للرّحمن أسكرني
و هل رأيت محبّا غير سكران
و لا تستبعدنّ رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت لها و فهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر و الأبصار حتّى ينظروا إليها بعين الاعتبار و إنّما هي عند ذوي الاغترار من الأسمار فأوّل القصص قصّة آدم عليه السّلام و إبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية و المخالفة ثمّ تباينا في الاجتباء و العصمة أمّا إبليس فأبلس عن رحمة اللّه و قيل: إنّه من المبعدين، و أمّا آدم فقيل فيه «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى» [١] و لذلك الانبساط و الإدلال يحتمل من بعض العباد دون البعض فمن انبساط الانس قول موسى عليه السّلام: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ» [٢] و قوله في التعلّل و الاعتذار لمّا قيل له: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» [٣] فقال: «وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» [٤] و قوله: «وَ يَضِيقُ صَدْرِي» [٥] و قوله: «إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى» [٦] و هذا من غير موسى عليه السّلام من سوء الأدب لأنّ الّذي أقيم مقام الانس يلاطف و يحتمل و لم يحتمل ليونس عليه السّلام ما دون هذا لمّا أقيم مقام القبض و الهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث فنودي عليه إلى يوم المحشر «لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ» [٧] و نهى نبيّنا عليه السّلام أن يقتدي به فقال له: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ» [٨].
و هذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال و المقامات و بعضها لما سبق في الأزل من التفاضل و التفاوت في القسمة بين العباد و قد قال تعالى: «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ» [٩] و قال: «مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [١٠] و كان
[١] طه: ١٢٠ و ١٢١.
[٢] الأعراف: ١٥٤.
[٣] طه: ٢٥.
[٤] الشعراء: ١٣.
[٥] الشعراء: ١٢.
[٦] طه: ٤٦.
[٧] القلم: ٤٩.
[٨] القلم: ٤٨.
[٩] الاسراء: ٥٧.
[١٠] البقرة: ٢٥٤.