المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٠
بطاعة اللّه صار حبيبا و إنّما الحبيب من اجتنب المناهي و هو كما قال: لأنّ محبّته للَّه تعالى سبب محبّة اللّه له كما قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» [١] و إذا أحبّه اللّه تعالى تولّاه و نصره على أعدائه و إنّما عدوّه نفسه و شهواته فلا يخذله اللّه تعالى و لا يكله إلى نفسه و هواه و شهواته و لذلك قال تعالى: «وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَ كَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَ كَفى بِاللَّهِ نَصِيراً» [٢].
فإن قلت: فالعصيان هل يضادّ أصل المحبّة؟ فأقول: لا إنّما يضادّ كما لها و لا يضادّ أصلها فكم من إنسان يحبّ نفسه و هو مريض و هو يحبّ الصحّة فيأكل ما يضرّه مع العلم بأنّه يضرّه و ذلك لا يدلّ على عدم حبّه لنفسه و لكنّ المعرفة قد تضعف و الشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحقّ المحبّة، و يدلّ عليه ما روي أنّ نعيمان الأنصاري كان يؤتى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كلّ قليل فيحدّه في معصية يرتكبها إلى أن أتي به يوما فحدّه فلعنه رجل و قال: ما أكثر ما يؤتى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:
عليه السّلام «لا تلعنه فإنّه يحبّ اللّه و رسوله» [٣] فلم يخرجه بالمعصية عن المحبّة، نعم تخرجه المعصية عن كمال الحبّ، و قد قال بعض العلماء: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحبّ اللّه تعالى حبّا متوسّطا، و إذا دخل سويداء القلب أحبّ اللّه الحبّ البالغ و ترك المعاصي، و بالجملة في دعوى المحبّة خطر و لذلك قال الفضيل:
إذا قيل لك أ تحبّ اللّه فاسكت فإنّك إن قلت: لا، كفرت، و إن قلت: نعم و ليس وصفك وصف المحبّين فاحذر المقت، و لقد قال بعض العلماء: ليس في الجنّة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة و المحبّة، و لا في جهنّم عذاب أشدّ من عذاب من ادّعى المعرفة و المحبّة و لم يتحقّق بشيء من ذلك.
و منها أن يكون مستهترا بذكر اللّه تعالى لا يفتّر عنه لسانه و لا يخلو عنه قلبه فمن أحبّ شيئا أكثر بالضرورة ذكره و ذكر ما يتعلّق به، فعلامة حبّ اللّه تعالى حبّ ذكره، و حبّ القرآن الّذي هو كلامه، و حبّ رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و حبّ كلّ من
[١] المائدة: ٥٧.
[٢] النساء: ٤٤.
[٣] أخرجه البخاري ج ٨ ص ١٩٧ و كان اسم الرجل عبد اللّه و كان يلقب حمارا.