المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٣
لاستحقروها و لم يلتفتوا إليها فحركتهم لحظّ و طاعتهم لحظّ و لكن حظّهم معبودهم فقطّ دون غيره، ثمّ قال: و الأقاويل في هذا كثيرة و لا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة و إنّما البيان الشافي بيان سيّد الأوّلين و الآخرين عليه السّلام إذ سئل عن الإخلاص فقال: «هو أن تقول ربّي اللّه ثمّ تستقيم كما أمرت»[١]أي لا تعبد هواك و نفسك و لا تعبد إلّا ربّك و تستقيم في عبادته كما أمرك. و هذه إشارة إلى قطع كلّ ما سوى اللّه عزّ و جلّ عن مجرى النظر و هو الإخلاص حقّا.
(بيان درجات الشوائب و الآفات المكدّرة للإخلاص)
اعلم أنّ الآفات المشوّشة للإخلاص بعضها جليّ و بعضها خفيّ و بعضها ضعيف مع الجلاء و بعضها قويّ مع الخفاء و لا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء و الجلاء إلّا بمثال و أظهر مشوّشات الإخلاص الرّياء فلنذكر منه مثالا فنقول: الشيطان يدخل الآفة على المصلّي مهما كان مخلصا في صلاته حيث نظر إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له: حسّن صوتك حتّى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار و الصلاح و لا يزدريك و لا يغتابك فتخشع جوارحه و تسكن أطرافه و تحسن صلاته و هذا هو الرّياء الظاهر و لا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين.
الدّرجة الثانية أن يكون المريد قد فهم هذه الآفة فأخذ منها حذره فصار لا يطيع الشيطان فيه و لا يلتفت إليه و يستمرّ في صلاته كما كان فيأتيه في معرض الخير و يقول: أنت متبوع و مقتدى بك و منظور إليك و ما تفعله يؤثر عنك و يتأسّى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت و عليك الوزر إن أسأت فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدى بك في الخشوع و تحسين العبادة و هذا أغمض من الأوّل و قد ينخدع به من لا ينخدع بالأوّل و هو أيضا عين الرّياء و مبطل للإخلاص فإنّه إن كان يرى الخشوع و حسن العبادة خيرا لا يرتضي لغيره تركه فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة
[١] أخرجه ابن ماجه في السنن تحت رقم ٣٩٧٢. أن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال: قلت: يا رسول اللّه حدثني بامر أعتصم به قال: قل: «ربي اللّه ثم استقم». و روى نحوه مسلم في الصحيح.