المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٠
فاعتبر بهذه اللّمعة اليسيرة من محقّرات الحيوانات و دع عنك عجائب ملكوت الأرض و السماوات فإنّ القدر الّذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه و لا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به علم العلماء و الأنبياء و لا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلّهم إلى ما استأثر اللّه عزّ و جلّ بعلمه بل كلّ ما عرفه الخلق لا يستحقّ أن يسمّى علما في جنب علم اللّه تعالى، فبالنظر في هذا و أمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين و بزيادة المعرفة يزداد المحبّة فإن كنت طالبا سعادة لقاء اللّه تعالى فانبذ الدّنيا وراء ظهرك و استغرق العمر في الفكر الدّائم و الذّكر اللّازم فعساك تحظى منها بقدر يسير و لكن تنال بذلك القدر اليسير ملكا عظيما لا آخر له.
(بيان السبب في تفاوت النّاس في الحبّ)
اعلم أنّ المؤمنين مشتركون في أصل المحبّة لاشتراكهم في أصل الإيمان و لكنّهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة و في حبّ الدّنيا إذ الأشياء إنّما تتفاوت بتفاوت أسبابها و أكثر الناس ليس لهم من معرفة اللّه إلّا الصفات و الأسماء الّتي قرعت أسماعهم فتلقّنوها و حفظوها و ربّما تخيّلوا لها معاني يتعالى عنها ربّ الأرباب و ربّما لم يطّلعوا على حقيقتها و لا تخيّلوا لها معنى فاسدا بل آمنوا بها إيمان تسليم و تصديق و اشتغلوا بالعمل و تركوا البحث و هؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين و المتخيّلون هم الضالّون و العارفون بالحقائق هم المقرّبون و قد ذكر اللّه عزّ و جلّ حال الأصناف الثلاثة في قوله: «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ- الآيات» [١] و إذا كنت لا تفهم الأمور إلّا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحبّ مثالا فنقول: أصحاب إمام مثلا يشتركون في حبّ ذلك الإمام، العلماء منهم و العوام لأنّهم يشتركون في معرفة فضله و دينه و حسن سيرته و محامد خصاله و لكنّ العامّيّ يعرف علمه مجملا و الفقيه يعرفه مفصّلا فيكون معرفة الفقيه به أتمّ و إعجابه به و حبّه له أشدّ فمن رأى تصنيف مصنّف فاستحسنه و عرف به فضله أحبّه لا محالة و مال إليه قلبه، فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه و أعجب تضاعف لا محالة حبّه و
[١] الواقعة: ٨٧ و ٨٩.
المحجة البيضاء جلد٨ ٥٢ (بيان السبب في قصور افهام الخلق عن معرفة الله عز و جل) ..... ص : ٥١