المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠
وجه المعشوق في الدّنيا تتفاوت بأسباب أحدها جمال المعشوق و نقصانه فإنّ اللّذّة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة. و الثاني كمال قوّة الحبّ و الشّهوة و العشق فليست لذّة من اشتدّ عشقه كالتذاذ من ضعفت شهوته و حبّه. و الثالث كمال الإدراك فليس التذاذه برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر رقيق أو من بعد كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر و عند كمال الضّوء و لا إدراك لذّة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرّد. و الرّابع اندفاع العوائق المشوشة و الآلام الشاغلة للقلب فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرّد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألّم أو المشغول قلبه بمهمّ من المهمّات فقدّر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب و زنابير تؤذيه و تلدغه و تشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو من لذّة ما من مشاهدة معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك به الستر و أشرق به الضّوء و اندفع عنه المؤذيات و بقي سليما فارغا و هجمت عليه الشهوة القويّة و العشق المفرط حتّى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف تتضاعف اللّذّة حتّى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتدّ بها، و كذلك فافهم نسبة لذّة النظر إلى لذّة المعرفة فالستر الرّقيق مثال للبدن و الاشتغال به، و العقارب و الزّنابير مثال للشهوات المسلّطة على الإنسان من الجوع و العطش و الغضب و الغمّ و الحزن، و ضعف الشهوة و الحبّ مثال لقصور النّفس في الدّنيا و نقصانها عن الشوق إلى الملإ الأعلى و التفاتها إلى أسفل السافلين و هو مثل قصور الصّبي عن ملاحظة لذّة الرّئاسة و التفاته إلى اللّعب بالعصفور، فالعارف إن قويت في الدّنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوّشات و لا يتصوّر أن يخلو عنها البتّة نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال و لا تدوم فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يدهش العقل و يعظم لذّته بحيث يكاد القلب يتفطّر لعظمته و لكن يكون ذلك كالبرق الخاطف و قلّما يدوم بل يعرض من الشواغل و الأفكار و الخواطر ما يشوّشه و ينغّصه و هذه الضرورة قائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللّذّة منغّصة إلى الموت و إنّما الحياة الطيّبة بعد الموت و إنّما العيش عيش الآخرة ف إِنَّ «الدَّارَ