المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦
لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان» [١] و قال ابنه الحسين سيّد الشهداء: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك و متى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك، عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا» و قال أيضا «تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء» و قال: «تعرّفت إليّ في كلّ شيء» [٢] إلى غير ذلك ممّا ورد عنهم عليهم السّلام في هذا المعنى، نعم يمكن أن يزيد الانكشاف في الآخرة بقدر زيادة صفاء القلوب و زكائها.
قال أبو حامد: فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوّثة بكدورات الدّنيا غير منفكّة عنها بالكلّيّة و إن كانت متفاوتة فمنها ما تراكم عليها الخبث و الصدأ فصار كالمرآة الّتي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح و التصقيل، و هؤلاء هم المحجوبون عن ربّهم أبد الآباد نعوذ باللّه منه، و منها ما لم ينته إلى حدّ الرّين و الطبع و لم يخرج عن قبول التزكية و التصقيل فيعرض على النار عرضا يقمع منها الخبث الّذي هو متدنّس به و يكون العرض على النّار بقدر الحاجة إلى التزكية و أقلّها لحظة خفيفة و أقصاها في حقّ المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة و لم ترتحل نفس عن هذا العالم إلّا و تصحبها غبرة و كدورة ما و إن قلّت، و لذلك قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» [٣] فكلّ نفس مستيقنة الورود على النار و غير مستيقنة الصدور عنها فإذا أكمل اللّه عزّ و جلّ تطهيرها و تزكيتها و بلغ الكتاب أجله و وقع الفراغ عن جملة ما ورد به الشرع من العرض و الحساب و غيره و كان له استحقاق الجنّة و ذلك وقت مبهم لم يطّلع اللّه عليه أحدا من خلقه
[١] الكافي ج ١ ص ٩٧ تحت رقم ٦.
[٢] راجع دعاءه عليه السّلام في يوم عرفة في كتاب إقبال الاعمال للسيد بن الطاووس (ره).
[٣] مريم: ٧٢ و ٧٣.