المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٠
لا يعرفها فكيف يحترز منها فلا يزال الجاهل في تعب و الشيطان منه في فرح و شماتة فنعوذ باللّه من الجهل و الغفلة، فهما رأس كلّ شقاوة و أساس كلّ خسران فحكم اللّه على كلّ عبد أن يراقب نفسه عند همّه بالفعل و سعيه بالجارحة فيتوقّف عن الهمّ و عن السعي حتّى ينكشف له بنور العلم أنّه للَّه تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتّقيه و يزجر القلب عن الفكر فيه و عن الهمّ به فإنّ الخطرة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرّغبة و الرّغبة تورث الهمّ و الهمّ يورث جزم القصد و القصد يورث الفعل و الفعل يورث العقاب و المقت، فينبغي أن تحسم مادّة الشرّ من منبعه الأوّل و هو الخاطر فإنّ جميع ما وراءه يتبعه و مهما أشكل على العبد ذلك و أظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكّر فيه بنور العلم و يستعيذ باللّه من مكر الشيطان بواسطة الهوى فإن عجز عن الاجتهاد و الفكر فيه بنفسه فليستضئ بنور علماء الدّين و ليفرّ من العلماء المضلّين المقبلين على الدّنيا فراره من الأسد بل أشدّ فقد أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود عليه السّلام: «يا داود لا تسأل عنّي عالما أسكره حبّ الدّنيا فيقطعك عنّي و عن محبّتي أولئك قطّاع طريق عبادي» فالقلوب المظلمة بحبّ الدّنيا و شدّة الشّره بها و التكالب عليها محجوبة عن نور اللّه تعالى فإنّ مستضاء أنوار القلوب حضرة الرّبوبيّة و كيف يستضيء بها من استدبرها و أقبل على عدوّها و عشق ضدّها و هي شهوات الدّنيا فلتكن همّة المريد أوّلا في أحكام العلم و في طلب عالم معرض عن الدّنيا أو ضعيف الرّغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرّغبة فيها و قد قال عليه السّلام: «إنّ اللّه يحبّ البصير الناقد عند ورود الشبهات» [١] و العقل الكامل عند هجوم الشهوات جمع بين الأمرين و هما متلازمان حقّا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات، و لذلك قال عليه السّلام: «من قارف ذنبا فارقه عقل لا يرجع إليه أبدا» [٢] فما قدر العقل الضعيف الّذي يتّصف الآدمي به حتّى يعمد إلى محوه و محقه بمقارفة الذّنوب و معرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه
[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين بن عمر العدني ضعفه الجمهور كما في المغني.
[٢] قد تقدم.