المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٣
و الموت لك بالمرصاد و لعلّه يختطفك من غير مهل فبما ذا أمنت استعجال الأجل. و هب إنّك وعدت الإمهال ألف سنة أ فتظنّين أنّ من لا يعلف الدّابة في حضيض العقبة يفلح و يقدر على قطع العقبة بها؟ إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك، أ رأيت لو سافر رجل ليتفقّه في الغربة فأقام فيها سنين متعطّلا بطّالا يعد نفسه بالتفقّه في السنة الأخيرة من رجوعه إلى وطنه هل كنت تضحكين من عقله و ظنّه أن تفقيه النفس ممّا يطمع فيه بمدّة قريبة، أو حسبانه أنّ منازل الفقهاء تنال من غير تفقّه اعتمادا على كرم اللّه سبحانه، ثمّ هب أنّ الجهد في آخر العمر نافع و أنّه موصل إلى الدّرجات العلى فلعلّ اليوم آخر عمرك فلم لا تشتغلين به فان أوحي إليك بالإمهال فما المانع لك من المبادرة و ما الباعث لك على التسويف هل له سبب إلّا عجزك عن مخالفة شهوتك لما فيه من التعب و الشقّة أ فتنتظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات هذا يوم لم يخلقه اللّه و لا يخلقه و لا تكون الجنّة قطّ إلّا محفوفة بالمكاره، و لا يكون المكاره قطّ خفيفة على النفوس و هذا محال وجوده، أما تتأمّلين منذ كم تعدين نفسك و تقولين:
غدا غدا، فقد جاء الغد و صار يوما فكيف وجدته، أما علمت أنّ الغد الّذي جاء و صار يوما كان له حكم الأمس لا بل ما تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز و أعجز لأنّ الشهوة كالشجرة الرّاسخة الّتي تعبّد الرّجل على قلعها فإذا عجز عن قلعها للضعف و أخّرها كان كمن عجز عن قلع شجرة و هو شابّ قويّ فأخّرها إلى سنة أخرى مع العلم بأنّ طول المدّة يزيد الشجرة قوّة و رسوخا و يزيد القالع ضعفا و وهنا فما لا يقدر عليه في الشباب فلا يقدر عليه قطّ في المشيب، بل من العناء رياضة الهرم، و من التعذيب تهذيب الذّئب، و القضيب الرّطب سهل الانحناء فإذا جفّ و طال عليه الزّمان لم يقبله، فإذا كنت لا تفهمين هذه الأمور الجليّة و تركنين إلى التسويف فما لك تدّعين الحكمة و أيّة حماقة تزيد على هذه الحماقة و لعلّك تقولين ما يمنعني عن الاستقامة إلّا حرصي على لذّة الشهوات و قلّة صبري على الآلام و المشقّات فما أحمقك و أقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعّم بالشهوات الصافية عن الكدورات أبد الآباد و لا مطمع في ذلك إلّا في الجنّة فإن كنت ناظرة لنفسك فالنظر