المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٦
و إليهم الإشارة بقوله تعالى: «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [١]».
فأعلم العلماء و أحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب و الآيات ما لم يخطر قطّ بباله و لا اختلج به ضميره، فلو لم يكن للعاقل همّ و لا غمّ إلّا الفكرة في خطر تلك الحال أنّ الحجاب عمّا ذا يرتفع و ما ذا الّذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر، و العجب من غفلتنا و هذه العظائم بين أيدينا، و أعجب من ذلك فرحنا بأموالنا و أهلينا و بأسبابنا و ذرّيّاتنا بل بأعضائنا و سمعنا و بصرنا مع أنّا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا و لكن أين من ينفث روح القدس في روعه فيقول له ما قال لسيّد النبيّين «أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه، و عش ما شئت فإنّك ميّت، و اعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به [٢]».
فلا جرم لمّا كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدّنيا كعابر سبيل، لم يضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة و لم يخلّف دينارا و لا درهما، و قد قال لامّته:
«إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٣]» و إنّما أمّته من اتّبعه و ما اتّبعه إلّا من أعرض عن الدّنيا و أقبل على الآخرة فإنّه ما دعا إلّا إلى اللّه و اليوم الآخر و ما صرف إلّا عن الدّنيا و الحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدّنيا و أقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الّذي سلكه، و بقدر ما سلكت سبيله فقد اتّبعته، و بقدر ما اتّبعته صرت من أمّته، و بقدر ما أقبلت على الدّنيا عدلت عن سبيله و رغبت عن متابعته، و التحقت بالّذين قال تعالى فيهم: «فَأَمَّا مَنْ طَغى وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [٤]» فلو خرجت من مكمن الغرور و أنصفت نفسك يا رجل- و كلّنا ذلك الرّجل- لعلمت أنّك من حين تصبح إلى حين تمسي لا تسعى إلّا في الحظوظ العاجلة و لا تتحرّك و لا تسكن إلّا لعاجل الدّنيا ثمّ تطمع في أن تكون غدا من أمّته و أتباعه، ما أبعد ظنّك و ما أبرد طمعك «أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» و لنرجع إلى ما كنّا فيه و بصدده فقد امتدّ عنان الكلام إلى غير مقصده و لنذكر
[١] الزمر: ٤٧.
[٢] تقدم غير مرة و رواه الصدوق في الفقيه.
[٣] آل عمران: ٣١.
[٤] النازعات: ٣٧ و ٣٨ و ٣٩.