المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٤
الأجساد لا تبعث و لا تحشر أصلا، و كلّ هذه الظنون فاسدة و مائلة عن الحقّ، بل الّذي يشهد له طرق الاعتبار و تنطق به الآيات و الأخبار أنّ الموت معناه تغيّر حال فقطّ و أنّ الرّوح باقية بعد مفارقة الجسد إمّا معذّبة و إمّا منعّمة، و معنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرّفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإنّ الأعضاء آلات للروح تستعملها حتّى أنّها لتبطش باليد و تسمع بالاذن و تبصر بالعين و تعلم حقيقة الأشياء بالقلب و القلب هاهنا عبارة عن الرّوح و الرّوح تعلم الأشياء بنفسها من دون آلة و كذلك قد تتألّم بنفسها بأنواع الحزن و الكمد، و تتنعّم بأنواع الفرح و السّرور و كلّ ذلك لا يتعلّق بالأعضاء فكلّ ما هو وصف للرّوح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد و ما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطّل بموت الجسد إلى أن تعاد الرّوح إلى الجسد و لا يبعد أن تعاد إلى الجسد في القبر و لا يبعد أن تؤخّر إلى يوم البعث و اللّه أعلم بما حكم به على كلّ عبد من عباده، و إنّما تعطّل الجسد بالموت يضاهي تعطّل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه و لشدّة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الرّوح فيها فيكون الرّوح العالمة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء و قد استعصى عليها بعضها، و الموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلّها، و كلّ الأعضاء آلات للرّوح و هي المستعملة لها و أعني بالرّوح المعنى الّذي يدرك من الإنسان العلوم و آلام الغموم و لذّات الأفراح و مهما بطل تصرّفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم و الإدراكات، و لا تبطل منها الأفراح و الغموم، و لا يبطل منها قبولها الآلام و اللّذّات و الإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم و الآلام و اللّذّات و ذلك لا يموت أي لا ينعدم و معنى الموت انقطاع تصرّفه عن البدن و خروج البدن عن أن يكون له آلة كما أنّ معنى الزّمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلّها، حقيقة الإنسان نفسه و روحه هي باقية نعم تغيّر حاله من جهتين إحداهما أنّه سلب منه عينه و أذنه و لسانه و يده و رجله و جميع أعضائه، و سلب منه أهله و ولده و أقاربه و سائر معارفه، و سلب منه خيله و دوابّه و غلمانه و دوره و عقاره و سائر أملاكه و لا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان و بين أن يسلب الإنسان من هذه