المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٣
مشاهدة بكواكبها و شمسها و قمرها و حركتها و دورانها في طلوعها و غروبها و الأرض مشاهدة بما فيها من جبالها و معادنها و أنهارها و بحارها و حيوانها و نباتها و ما بين السماء و الأرض و هو الجوّ مدرك بغيومها و أمطارها و ثلوجها و رعدها و برقها و صواعقها و شهبها و عواصف رياحها، فهذه هي الأجناس المشاهدة من السماوات و الأرض و ما بينهما، و كلّ جنس منها ينقسم إلى أنواع و كلّ نوع ينقسم إلى أقسام و ينشعب كلّ قسم إلى أصناف و لا نهاية لانشعاب ذلك و انقسامه في اختلاف صفاتها و هيئاتها و معانيها الظاهرة و الباطنة و جميع ذلك مجالي الفكر فلا تتحرّك ذرّة في السماوات و الأرض من جماد و نبات و حيوان و فلك و كوكب إلّا و محرّكها هو اللّه عزّ و جلّ و في حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر أو ألف حكمة كلّ ذلك شاهد للَّه تعالى بالوحدانيّة و دالّ على جلاله و كبريائه و هي الآيات الدّالّة عليه و قد ورد القرآن بالحثّ على التفكّر في هذه الآيات كما قال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [١]» و كما قال «وَ مِنْ آياتِهِ» و «مِنْ آياتِهِ» من أوّل القرآن إلى آخره فلنذكر كيفيّة الفكر في بعض الآيات.
فمن آياته الإنسان المخلوق من النطفة
و أقرب شيء إليك نفسك و فيك من العجائب الدّالّة على عظمة اللّه تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره و أنت غافل عنها فيا من هو غافل عن نفسه و جاهل بها كيف تطمع في معرفة غيرها و قد أمرك اللّه تعالى بالتدبّر في نفسك في كتابه العزيز فقال: «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» [٢] و ذكر أنّك مخلوق من نطفة قذرة، فقال تعالى: «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [٣]» و قال: تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [٤]» و قال: «أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى. ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [٥]» و قال:
[١] آل عمران: ١٩٠.
[٢] الذاريات: ٢١.
[٣] عبس: ١٧- الى- ٢٢.
[٤] الروم: ٢٠.
[٥] القيامة: ٢٧ و ٢٨.