المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٤
«أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» [١] و قال عليه السّلام: «أبغض إله عبد في الأرض الهوى»[١]و لذلك قال عليه السّلام: «من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا دخل الجنّة» [٢] و معنى الإخلاص أن يخلّص قلبه للَّه عزّ و جلّ فلا يبقى فيه شركة لغير اللّه فيكون اللّه محبوب قلبه و معبود قلبه و مقصود قلبه فقطّ و من هذا حاله فالدّنيا سجنه لأنّها مانعة له عن مشاهدة محبوبه و موته خلاص من السجن و قدوم على المحبوب، فما حال من ليس له إلّا محبوب واحد و قد طال إليه شوقه و تمادى عنه حبسه فخلى من السجن و مكّن من المحبوب و روّح بالأنس أبد الآباد، فإذن أحد أسباب ضعف حبّ اللّه في القلوب قوّة حبّ الدّنيا و منه حبّ الأهل و المال و الولد و الأقارب و العقار و الدّواب و البساتين و المتنزّهات حتّى أنّ المتفرّج بطيب أصوات الطيور و روح نسيم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدّنيا و متعرّض لنقصان حبّ اللّه بسببه فبقدر ما أنس بالدّنيا ينقص انسه باللّه فلا يؤتى أحد شيئا من الدّنيا إلّا و ينقص بقدره من الآخرة بالضرورة، كما أنّه لا يقرب الإنسان من المشرق إلّا و يبعد بالضرورة من المغرب بقدره، و لا يطيب قلب امرأة إلّا و يضيق به قلب ضرّتها فالدّنيا و الآخرة ضرّتان و هما كالمشرق و المغرب، و قد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافا أوضح من الابصار بالعين و سبيل قلع حبّ الدّنيا من القلب سلوك طريق الزّهد و ملازمة الصبر و الانقياد إليهما بزمام الخوف و الرّجاء فما ذكرناه من المقامات كالتوبة و الصبر و الزّهد و الخوف و الرّجاء هي مقدّمات ليكتسب بها أحد ركني المحبّة و هو تخلية القلب عن غير اللّه و أوّله الإيمان باللّه و اليوم الآخر و الجنّة و النار، ثمّ يتشعّب منه الخوف و الرّجاء و ينشعب منهما التوبة و الصبر عليهما ثمّ ينجرّ ذلك إلى الزّهد في الدّنيا و في المال و الجاه و كلّ حظوظ الدّنيا حتّى تحصل من جميعه طهارة القلب عن غير اللّه فقطّ حتّى يتّسع بعده لنزول معرفة اللّه عزّ و جلّ و حبّه فيه و كلّ ذلك مقدّمات تطهير
[١] أخرجه الطبراني على ما في كنوز الحقائق هكذا «أبغض اله عبد عند اللّه في الأرض الهوى».
[١] الجاثية: ٢٢.
[٢] رواه الصدوق في التوحيد باب ثواب الموحدين و العارفين.