المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٣
ساعة، ثمّ قال: و إنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة أ لست تراه في وقتك هذا، قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فاحدّث بهذا عنك؟ فقال: لا فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول ثمّ قدر أنّ ذلك تشبيه و كفر و ليست الرّؤية بالقلب كالرّؤية بالعين تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون و الملحدون».
(بيان الأسباب المقوية لحبّ اللّه تعالى)
اعلم أنّ أسعد الخلق حالا في الآخرة أقواهم حبّا للَّه فإنّ الآخرة معناها القدوم على اللّه عزّ و جلّ و درك سعادة لقائه و ما أعظم نعيم المحبّ إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه و تمكّن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير منغّص و مكدّر و من غير رقيب و مزاحم و من غير خوف انقطاع إلّا أنّ هذا النعيم على قدر قوّة الحبّ فكلّما ازداد الحبّ ازدادت اللّذّة و إنّما يكتسب العبد حبّ اللّه عزّ و جلّ في الدّنيا و أصل الحبّ لا ينفكّ عنه مؤمن لأنّه لا ينفكّ عن أصل المعرفة و أمّا قوّة الحبّ و استيلاؤه حتّى ينتهي إلى الاستهتار الّذي يسمّى عشقا فذلك ينفكّ عنه الأكثرون و إنّما يحصل ذلك بسببين أحدهما قطع علائق الدّنيا و إخراج حبّ غير اللّه من القلب فإنّ القلب مثل الإناء الّذي لا يتّسع للخلّ مثلا ما لم يخرج منه الماء «و ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» و كمال الحبّ في أن يحبّ اللّه عزّ و جلّ بكلّ قلبه و ما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره فبقدر ما يشتغل بغير اللّه ينقص منه حبّ اللّه و بقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخلّ المصبوب فيه و إلى هذا التفريد و التجريد الإشارة بقوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ» [١] و بقوله «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا» [٢] بل هو معنى قولك «لا إله إلّا اللّه» أي لا معبود و لا محبوب سواه، و كلّ محبوب فإنّه معبود فإنّ العبد هو المتعبّد و المعبود هو المتعبّد له و كلّ محبّ فهو يعبد لما يحبّه و لذلك قال تعالى:
[١] الانعام: ٩١.
[٢] فصلت: ٣٠.