المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٥
هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلّا بالجبّة و النار و سائر الأسباب فلا يندفع حرّ النار و بردها إلا بحصن التوحيد و خندق الطاعات و إنّما كرم اللّه عزّ و جلّ في أن عرّفك طريق التحصّن و يسّر لك أسبابه لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه كما أنّ كرم اللّه تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النّار و هداك لطريق استخراجها من بين حديدة و حجر حتّى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك و كما أنّ شرى الحطب و الجبّة ممّا يستغنى عنه خالقك و مولاك و إنّما تشترينه لنفسك إذ جعله سببا لاستراحتك و طاعتك و مجاهدتك أيضا هو مستغن عنها و إنّما هي طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه و من أساء فعليها و اللّه غنيّ عن العالمين، ويحك انزعي عن جهلك و قيسي آخرتك بدنياك «ف ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ و كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» و سنّة اللّه لن تجد لها تبديلا و لا تحويلا، و ما أراك إلّا ألفت الدّنيا و أنست بها فعسرت عليك مفارقتها و أنت مقبلة على مقاربتها و تؤكّدين نفسك مودّتها، فاحسبي أنّك غافلة عن عقاب اللّه و ثوابه و عن أهوال يوم القيامة و أحوالها فما أنت موقنة بالموت المفرّق بينك و بين محابّك، أ فترى أنّ من دخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنّه يستغرق ذلك قلبه ثمّ يضطرّ لا محالة إلى مفارقته أ هو معدود من العقلاء أم من الحمقاء، أما تعلمين أنّ الدّنيا دار لملك الملوك و ما أنت فيها إلّا مجتاز و كلّ ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت و لذلك قال سيّد البشر عليه السّلام: «إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه، و عش ما شئت فإنّك ميّت، و اعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به [١]» أما تعلمين أنّ كلّ من التفت إلى ملاذّ الدنيا و أنس بها مع أنّ الموت من ورائه فإنّما يستكثر من الحسرة عند المفارقة و إنّما يتزوّد من السمّ المهلك و هو لا يدري، أو ما تنظرين إلى الّذين مضوا كيف بنوا و علوا ثمّ ذهبوا و خلوا، و كيف أورث اللّه أرضهم و ديارهم أعداءهم، أما تراهم كيف يجمعون ما لا يأكلون و يبنون ما لا يسكنون و يأمّلون ما لا يدركون، يبني كلّ واحد قصرا
[١] تقدم في العلم و غيره.