المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٣
فلا حكم لظاهر الصّلاح دون التقوى الباطن، قال اللّه تعالى: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [١]» فلا يمكن معرفة حكم زيد و عمرو إلّا بمشاهدته و مشاهدة ما يجري عليه، و إذا مات فقد تحوّل من عالم الملك و الشهادة إلى عالم الغيب و الملكوت فلا يرى بالعين الظاهرة و إنّما يرى بعين أخرى خلقت تلك العين في قلب كلّ إنسان و لكن الإنسان جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته و أشغاله الدّنياويّة فصار لا يبصر بها و لا يتصوّر أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه و لمّا كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السّلام فلا جرم نظروا إلى عالم الملكوت و شاهدوا عجائبه و الموتى في عالم الملكوت فشاهدوهم و أخبروا عنهم و لذلك رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ضغطة القبر في حقّ سعد بن معاذ و في حقّ زينب ابنته [٢] و كذلك حال أبي جابر لمّا استشهد إذ أخبر أنّ اللّه أقعده بين يديه ليس بينهما ستر و مثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء و الأولياء الّذين تقرب درجتهم منهم و إنّما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة إلّا أنّها أيضا مشاهدة نبويّة و أعني بها المشاهدة في المنام و هو أنوار النبوّة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«الرّؤيا الصالحة جزء من ستّة و أربعين جزءا من النبوّة [٣]» و هو أيضا انكشاف لا يحصل إلّا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلّا برؤيا الرّجل الصّالح الصادق و من كثر كذبه لم تصدق رؤياه و من كثر فساده و معاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام و لذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا و هو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل و طهارة الظاهر بمنزلة التتمّة و التكملة لها و مهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل كما انكشف دخول مكّة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في النوم حتّى نزل قوله تعالى: «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ [٤]» و قلّ ما يخلو الإنسان عن منامات دلّت على
[١] المائدة: ٣٠.
[٢] كذا.
[٣] أخرجه مسلم ج ٧ ص ٥٤ و ابن ماجه تحت رقم ٣٨٩٥.
[٤] الفتح: ٢٧.