المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢
لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللّذّة و اللّذّة محبوبة، و لا تظننّ أنّ حبّ الصور الجميلة لا يتصوّر إلّا لأجل قضاء الشهوة فإنّ قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحبّ الصور الجميلة لأجلها و إدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته و كيف ينكر ذلك، و الخضرة و الماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو تؤكل الخضرة أو ينال منها حظّ سوى نفس الرّؤية و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تعجبه الخضرة و الماء الجاري [١] و الطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار[١]و الأزهار و الأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتّى أنّ الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظّ وراء النظر، فهذه الأسباب ملذّة و كلّ لذيذ محبوب و كلّ حسن و جمال فلا يخلو إدراكه عن لذّة، و لا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع فإن ثبت أنّ اللّه تعالى جميل كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله و جلاله كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال» [٢].
السبب الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال: اعلم أنّ المحبوس في مضيق الخيالات و المحسوسات ربّما يظنّ أنّه لا معنى للحسن و الجمال إلّا تناسب الخلقة و الشكل و حسن اللّون و كون البياض مشوبا بالحمرة و امتداد القامة إلى غير ذلك ممّا يوصف من جمال شخص الإنسان فإنّ الحسّ الأغلب على الخلق حسّ الابصار و أكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص فيظنّ أنّ ما ليس مبصرا و لا متخيّلا و لا متشكّلا و لا متلوّنا متقدّرا فلا يتصوّر حسنه، و إذا لم يتصوّر حسنه لم يكن في إدراكه لذّة فلم يكن محبوبا، و هذا خطأ ظاهر فإنّ الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر، و
[١] جمع النور بالفتح مصدر واحدتها نورة و نور النبات زهرتها و بهجتها و غضارتها.
[١] رواه أبو نعيم في كتاب طب النبي صلّى اللّه عليه و آله من حديث ابن عباس بسند ضعيف كما في المغني.
[٢] أخرجه البيهقي في شعب الايمان من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف، و مسلم و الترمذي من حديث ابن مسعود، و الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة و ابن عساكر من حديث جابر و ابن عمر بسند صحيح كما في الجامع الصغير.