المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٠
تدريجا فإنّ الطفل لا يطيق منه إلّا القليل، ثمّ كيف هداه إلى الامتصاص حتّى يستخرج من ذلك المضيق اللّبن الكثير عند شدّة الجوع، ثمّ انظر إلى عطفه و رأفته كيف أخّر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنّه في الحولين لا يتغذّى إلّا باللّبن فيستغني عن السنّ و إذا كبر لم يوافقه اللّبن السّخيف و يحتاج إلى الطعام الغليظ و يحتاج الطعام إلى المضغ و الطحن فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها و لا بعدها فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة من اللّثّات اللّينة ثمّ حنّن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الّذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلّط اللّه سبحانه الرّحمة على قلبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثمّ انظر كيف رزقه القدرة و التمييز و العقل و الهداية تدريجا حتّى بلغ و تكامل فصار مراهقا ثمّ شابّا ثم كهلا ثمّ شيخا إمّا كفورا أو شكورا، مطيعا أو عاصيا، مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [١]» فانظر إلى اللّطف و الكرم ثمّ إلى القدرة و الحكمة تبهرك[١] عجائب الحضرة الرّبوبيّة، و العجب كلّ العجب ممّن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فينصرف جميع همّه إلى التفكّر في الخطّاط و النقّاش و أنّه كيف خطّه و نقشه و كيف اقتدر عليه، و لا يزال يستعظمه و يقول ما أحذقه و ما أجمل صنعته و أحسن قدرته، ثمّ ينظر إلى هذه العجائب في نفسه و في غيره و يغفل عن صانعه و مصوّره، فلا تدهشه عظمته و لا يحيره جلاله و حكمته، فهذه نبذة من عجائب بدنك الّتي لا يمكن استقصاؤها، و هي أقرب مجال لفكرك و أجلى شاهد على عظمة خالقك و أنت غافل عنها مشغول ببطنك و فرجك و لا تعرف من نفسك إلّا أن تجوع فتأكل و تشبع فتنام و تشتهي فتجامع و تغضب فتقاتل و تشاركك في معرفة ذلك البهائم و السّباع كلّها و إنّما خاصيّة الإنسان الّتي حجبت البهائم عنها معرفة اللّه عزّ و جلّ بالنظر في ملكوت السّماوات و الأرض
[١] بهر القمر غلب ضوؤه ضوء الكواكب.
[١] الدهر: ١ إلى ٣.