المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨
البيان دون حصر أحواله لمواقف و مقامات يفرغ عنها معشر الصدّيقين و الأولياء بل خيار الرّسل و الأنبياء، و هلمّ جراًّ إلى أن يسكنه بحبوحة الجنان مع الرّوح و الرّيحان و الرّاحة و الرّضوان أو يحبسه في حصير جهنّم و أركان النيران بالخزي و الهوان و الشقاء و الخذلان، فليت شعري من أين يتصوّر هاهنا مماثلة أو كيف يمكن بين خالق وصفناه و مخلوق ذكرناه مشاكلة عند غمر غافل و سفيه جاهل فضلا عن ذوي العقول و أرباب الألباب تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون و المشركون و المشبّهة و الممثّلة و المعطّلون علوّا كبيرا.
نعم اقتضت الحكمة الأزليّة و الإرادة الأحديّة الإيجاد و الإبداع و الإنشاء و الاختراع فأنشأ أصناف الخليقة و أوجد أنواع البريّة على وفق مراده و مشيّته دون سابقة مثال في تكوين الكون و فطرته و قسّم إذ ذاك بني آدم من بينهم قسمين و ذرأهم من قبل الطاعة و المعصية فرقتين أشقياء و سعداء و مهتدين و أغوياء فنوّر أهل السعادة في هذه الحياة بنور المعرفة و الإيمان و ترك أهل الشقاوة في غمرات ظلمة الكفر و الطغيان ثمّ غدا في دار البقاء و مقام الرّؤية و اللّقاء يتمّ لهم ذلك النور و الضياء و إليه الإشارة بقوله تعالى: «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» [١] إذ تمام النور لا يؤثر إلّا في زيادة الكشف و لهذا لا يفوز بدرجة الرّؤية و النظر إلّا العارفون في الدّنيا لأنّ المعرفة هي البذر الّتي تنقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة و البذر زرعا و من لا نواة له فكيف يحصل له نخل و من لم يزرع البذر كيف يحصل الزّرع و كذلك من لم يعرف اللّه عزّ و جلّ في الدّنيا فكيف يراه في الآخرة، و لمّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلّي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلّي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ تختلف لا محالة بكثرتها و قلّتها و حسنها و رديّها و قوّتها و ضعفها و كما أنّك ترى في الدّنيا من يؤثر لذّة الرّئاسة على المنكوح و المطعوم و ترى من يؤثر لذّة العلم و انكشاف مشكلات ملكوت السماوات و الأرض و سائر الأمور الإلهيّة
[١] التحريم: ٨.