المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦١
الأعصار فإنّ الناس كلّهم قد هجروا هذه العلوم و اشتغلوا بالتوسّط بين الخلق في الخصومات الثائرة من اتّباع الشهوات و قالوا: هذا هو الفقه و أخرجوا هذا العلم الّذي هو فقه الدّين من جملة العلوم و تجرّدوا لفقه الدّنيا الّذي ما قصد به إلّا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرّغ لفقه الدّين و كان فقه الدّنيا من الدّين بواسطة هذا الفقه و في الخبر «أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع و سيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبّت» [١] فمن لم يتوقّف عند الاشتباه كان متّبعا لهواه معجبا برأيه. و كان ممّن وصفه النبيّ عليه السّلام إذ قال: «فإذا رأيت شحّا مطاعا و هوى متّبعا و إعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك» [٢] و كلّ من خاض في شبهة بغير تحقيق فقد خالف قوله تعالى: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [٣] و قوله عليه السّلام: «إيّاكم و الظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث» [٤] و أراد به ظنّا بغير دليل كما يستفتي بعض العوام قلبه فيما أشكل عليه و يتّبع ظنّه و لصعوبة هذا الأمر و عظمه كان دعاء بعض الصحابة «اللّهمّ أرني الحقّ حقّا و ارزقني اتّباعه، و أرني الباطل باطلا و ارزقني اجتنابه و لا تجعله متشابها عليّ فأتّبع الهوى» و قال عيسى عليه السّلام: «الأمور ثلاثة أمر استبان لك رشده فاتّبعه و أمر استبان غيّه فاجتنبه و أمر أشكل عليك فكله إلى عالمه» [٥]. و قد كان من دعاء النبيّ عليه السّلام «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من أن أقول في الدّين بغير علم» [٦] فأعظم نعمة اللّه على عباده هو العلم و كشف الحقّ و الإيمان عبارة عن نوع كشف و علم و لذلك قال تعالى امتنانا على عبده: «وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» [٧] و أراد به العلم و قال تعالى:
[١] قال العراقي: لم أجده.
[٢] قد تقدم.
[٣] الاسراء: ٣٦.
[٤] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٥٧٧ و الترمذي من حديث أبي هريرة. و قد تقدم.
[٥] أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف و رواه الصدوق في الخصال أبواب الثلاثة من حديث الصادق عليه السّلام عن النبي صلى اللّه عليه و آله.
[٦] قال العراقي: لم أجده.
[٧] النساء: ١١٢.