المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٨
لا بدّ و أن يحمل جنازته و يدفن في قبره و لعلّ اللّبن الّذي يغطّى به لحده قد ضرب و فرغ منه و هو لا يدري فتسويفه جهل محض و إذا عرفت أنّ سببه الجهل و حبّ الدّنيا فعلاجه دفع سببه أمّا الجهل فيدفع بالفكر الصّافي من القلب الحاضر و بسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة و أمّا حبّ الدّنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد و هو الدّاء العضال الّذي أعيا الأوّلين و الآخرين علاجه و لا علاج له إلّا الإيمان باليوم الآخر و ما فيه من عظيم العقاب و جزيل الثواب و مهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حبّ الدّنيا فإنّ حبّ الخطير هو الّذي يمحو من القلب حبّ الحقير فإذا رأى حقارة الدّنيا و نفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدّنيا كلّها و إن أعطى ملك الأرض من المشرق إلى المغرب فكيف و ليس لكلّ عبد من الدّنيا إلّا قدر يسير مكدّر منغّص فكيف يفرح بها و يترسّخ في القلب حبّها مع الإيمان بالآخرة. فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدّنيا كما أراها الصّالحين من عباده و لا علاج في تقرير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران و الأشكال و أنّهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا أمّا من كان مستعدّا له فقد فاز فوزا عظيما، و أمّا من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا، و لينظر الإنسان كلّ ساعة في أطرافه و أعضائه و ليتدبّر أنّها كيف تأكلها الدّيدان لا محالة و كيف تتفتّت عظامها، و ليتفكّر أنّ الدّود يبدأ بحدقته اليمنى أوّلا أو باليسرى فما على بدنه شيء إلّا و هو طعمة الدّود و ما له من نفسه إلّا العلم و العمل الخالص لوجه اللّه عزّ و جلّ و كذلك يتفكّر فيما سيورده من عذاب القبر و سؤال منكر و نكير و من الحشر و النشر و أهوال القيامة و فزع النداء يوم العرض الأكبر. فأمثال هذه الأفكار هي الّتي تجدّد ذكر الموت على قلبه و تدعوه إلى الاستعداد له.
(بيان مراتب الناس في طول الأمل و قصره)
اعلم أنّ الناس في ذلك يتفاوتون فمنهم من يأمل البقاء و يشتهي ذلك أبدا قال